أحمد بن علي القلقشندي
159
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الخوارج ، فاجتمع عليه جماعة منهم فلما بلغوا أربعين رجلا قدّموا عليهم يزيد بن الأسود ( 1 ) وخلعوا طاعة الخلفاء ، واختطَّوا هذه المدينة سنة أربعين ومائة من الهجرة . ولها اثنا عشر بابا ، وهي كثيرة العمارة ، كثيرة البساتين ، رائقة البقاع ، ذات قصور ومنازل رفيعة وعمارات متّصلة ، على نهر كثير الماء يأتي من جهة المشرق من الصحراء ، يزيد في الصيف كزيادة النّيل ، ويزرع على مائة كما يزرع على ماء النيل ، والزّرع عليه كثير الإصابة ، والمطر عندهم قليل : فإذا كانت السنة كثيرة الأمطار ، نبت لهم ما حصدوه في العام السابق من غير بذر ، وربما حصدوه عند تناهيه وتركوا أصوله فتنبت ثانيا . ويقال : يزرع بها عاما ويحصد ثلاثة أعوام ، وذلك أن أرضها مشقّة ، وهي بلدة شديدة الحرّ فإذا يبس الزرع تناثر عند الحصاد ودخل في الشّقوق ، فإذا كان العام الثاني وعلاه ماء النهر وخرج عنه حرثوه بلا بذر فينبت ما في الشّقوق ، ويبقى كذلك ثلاث سنين . وقد حكى ابن سعيد : أن هذا الزرع في السنة الأولى يكون قمحا ، وفي باقي السنين سلتا ، وهو حبّ بين القمح والشعير . وبها الرّطب ، والتمر ، والعنب الكثير ، والفواكه الجمّة ، وليس فيها ذئاب ولا كلاب لأنهم يسمّونها ويأكلونها ، وقلمّا يوجد فيها صحيح العينين ، ولا يوجد بها مجذوم ، ولها ثمانية أبواب من أيّ باب منها خرجت ترى النهر والنخيل وغير ذلك من الشجر ، وعليها وعلى جميع بساتينها حائط يمنع غارة العرب مساحته أربعون ميلا ، وثمرها يفضل ثمر سائر بلاد المغرب ، حتى يقال : إنه يضاهي الثّمر العراقيّ ، وأهلها مياسير ، ولها متاجر إلى بلاد السّودان ، يخرجون إليها بالملح والنّحاس والودع ، ويرجعون منها بالذهب التّبر . قال ابن سعيد : رأيت صكَّا لأحدهم على آخر مبلغه أربعون ألف دينار . ولمّا قدّموا عليهم عيسى بن الأسود ( 2 ) المقدّم ذكره ، أقام عليهم أياما ثم قتلوه
--> ( 1 ) راجع حاشية الصفحة السابقة . ( 2 ) راجع حاشية الصفحة السابقة .