أحمد بن علي القلقشندي
298
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وكانوا قد استولوا على مكة وسائر الحجاز ، وكانت قاعدة ملكهم تيماء ، وكان آخر ملوكهم الأرقم بن أبي الأرقم . الطبقة الثالثة ملوكها من بني إسرائيل ومن انضم إليهم من الأوس والخزرج قال في « الروض المعطار » : لما ظهر موسى عليه السلام على فرعون ، بعث بعثا من بني إسرائيل إلى الحجاز وأمرهم أن لا يستبقوا منها ( 1 ) أحدا بلغ الحلم ، فقتلوهم حتّى انتهوا إلى ملكهم الأرقم بتيماء فقتلوه وأبقوا له ابنا ( 2 ) صغيرا ليرى موسى عليه السلام فيه رأيه . فلما رجعوا به إلى الشأم وجدوا موسى عليه السلام قد توفّي ، فقال لهم الناس : عصيتم وخالفتم أمر نبيكم ؛ وحالوا بينهم وبين الشام ، فقال بعضهم لبعض : خير من بلدكم البلد الذي خرجتم منه ، فعادوا إلى الحجاز فنزلوه ، فكان ذلك أول سكنى اليهود الحجاز ، فنزل جمهور هم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول واتخذوا الآطام والمنازل ، ونزل معهم جماعة من أحياء العرب من بليّ وجهينة . وكانت يثرب أمّ قرى المدينة وهي ما بين طرف قباء إلى الجرف ؛ ثم لما كان من سيل العرم باليمن ما كان ، تفرّق أهل مأرب ، فأتى الأوس والخزرج يثرب لليهود فحاربوهم ، وكان آخر الأمر أن عقدوا بينهم وبينهم جوارا واشتركوا وتحالفوا ، فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا ، فصارت للأوس والخزرج ثروة ومال وعز جانبهم فخافهم اليهود ، فقطعوا الحلف ، وخافهم الأوس والخزرج فبعثوا إلى من لهم بالشام فأعانوهم حتّى أذلوا اليهود وغلبوهم عليها ، وبقيت بأيديهم حتّى جاء الإسلام وهاجر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إليها وهم رؤساؤها وحكَّامها .
--> ( 1 ) أي من العماليق . والأوضح : « منهم » . ( 2 ) في المعجم « ابنا شابا جميلا » وهو الأنسب .