أحمد بن علي القلقشندي

268

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ثم صارت سدانة البيت ومفاتيحه إلى خزاعة بن الأزد من بني كهلان بن سبإ من العرب العاربة ، وكانت منازلهم من حين تفرّق عرب اليمن بسبب سيل العرم ببطن مرّ على القرب من مكة ؛ وصارت لهم الرياسة بسدانة البيت ، وبقيت السّدانة بيدهم إلى أن انتهت إلى أبي غبشان : سليمان بن عمرو الخزاعيّ في زمن بهرام جور بن يزدجرد من ملوك الفرس ؛ ورئيس قريش يومئذ قصيّ بن كلاب ، فاجتمع قصيّ مع أبي غبشان على شراب بالطائف ، فلما سكر أبو غبشان اشترى قصيّ سدانة البيت منه بزقّ خمر وتسلم مفاتيحه وأشهد عليه بذلك ، وأرسل ابنه عبد الدار بها إلى البيت فرفع صوته وقال : يا معشر قريش ! هذه المفاتيح : مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل ، قد ردّها اللَّه عليكم من غير عار ( 1 ) ولا ظلم . فلما صحا أبو غبشان ندم حيث لا ينفعه النّدم . ويقال « أخسر من صفقة أبي غبشان » وأكثر الشعراء القول في ذلك حتّى قال بعضه : باعت خزاعة بيت اللَّه إذ سكرت بزقّ خمر ، فبئست صفقة البادي باعت سدانتها بالنّزر وانصرفت عن المقام وظلّ البيت والنّادي ولما وقع ذلك عدت خزاعة على قصيّ فظهر عليهم وأجلاهم عن مكة ؛ وكان بمكة عرب يجيزون الحجيج إلى الموقف ، وكان لهم بذلك رياسة فأجلاهم قصيّ عن مكَّة أيضا وانفرد بالرياسة . قال العسكريّ في « الأوائل » : وكان أوّل من نال الملك من ولد النّضر بن كنانة . ولما تم لقصيّ ذلك بنى دار النّدوة بمكة ، فكانت قريش تقضي فيها أمورها فلا تنكح ولا تشاور في أمر حرب ولا غيره إلا فيها ؛ ولم تزل الرياسة فيه وفي بنيه بعد ذلك . فولد له من الولد عبد مناف وعبد الدّار وعبد العزّى . ثم انتقلت الرياسة العظمى بعد ذلك لبني عبد مناف ، وكان له من الولد هاشم وعبد شمس والمطَّلب ونوفل ؛ وكان هاشم أرفعهم قدرا وأعظمهم شأنا ،

--> ( 1 ) لعله : « غارة » أو « غدر » .