أحمد بن علي القلقشندي

269

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وإليه انتهت سيادة قومه ؛ وكانت إليه الرّفادة وسقاية الحجيج بمكة ؛ وكانت قريش تجّارا ، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة وما حولها فخرج هاشم إلى الشأم حتّى نزل بقيصر ملك الروم فسأله كتابة أمان لتجّار قريش ، فكتب له كتابا لكل من مرّ عليه ، فخرج هاشم فكلَّما مرّ بحيّ من العرب أخذ من أشرافهم أمانا لقومه حتّى قدم مكة ، فأتاهم بأعظم شيء أتوا به قطَّ بركة ، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج معهم حتّى أوردهم الشام ؛ وخرج أخوه المطلب إلى اليمن فأخذ لهم أمانا من ملكه ؛ وخرج أخوهما عبد شمس إلى ملك الحبشة فأخذ لهم أمانا كذلك ؛ وخرج أخوهم نوفل إلى كسرى ملك الفرس فأخذ لهم منه أمانا . وكانت قريش يرحلون في الشتاء للشام وفي الصيف لليمن ، واتسعت معايشهم بسبب ذلك ، وكثرت أموالهم حتّى امتن اللَّه عليهم بذلك بقوله : * ( لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ) * ( 1 ) والإيلاف الأمان . ثم ولد لهاشم عبد المطلب وبقيت الرياسة فيه ؛ وكانت بئر زمزم قد انطمّت ونضب ماؤها فحفرها عبد المطلب ، حتّى أكمل اللَّه تعالى بنبوّة نبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وأما سدانة البيت ومفاتيحه ، فبقيت بيد بني عبد الدار بن قصيّ المتقدّم ذكره من حين تسلَّمها عبد الدار عند أخذها من أبي غبشان الخزاعيّ حتى صارت لبني شيبة من بني عبد الدار ، وانتهت في زمن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى عثمان بن طلحة ابن عبد الدار . فلما دخل النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مكة يوم الفتح ، أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه ، وقال : لو علمت أنه رسول اللَّه لم أمنعه ، فلوى عليّ بن أبي طالب يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الكعبة فصلَّى ركعتين ، فلما خرج سأله العبّاس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السّقاية والسّدانة فنزل قوله تعالى : * ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) * ( 2 ) فأمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عليّا أن يردّ المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ، فقال عثمان : أكرهت

--> ( 1 ) قريش / 1 - 2 . ( 2 ) النساء / 58 .