أحمد بن علي القلقشندي
9
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الآخر في الإبانة عن المعاني ، إلا أن اللفظ لما كان دليلا طبيعيا جعلت آلته آلة طبيعية ، والخط لما كان دليلا صناعيّا جعلت آلته آلة صناعيّة ؛ ولما تقاسمت الآلتان الدلالة نابت إحداهما مناب الأخرى فأوقعوا اسم اللسان على القلم فقالوا : الأقلام ألسنة الأفهام ، وشرّكوا بينهما في الاسم فقالوا : القلم أحد اللَّسانين . الجملة الثانية في أصل وضعه ؛ وفيه مسلكان المسلك الأوّل في وضع مطلق الحروف قيل : إن أوّل من وضع الخطوط والكتب كلَّها آدم عليه السلام : كتبها في طين وطبخه ؛ وذلك قبل موته بثلاثمائة سنة ، فلما أظلّ الأرض الغرق أصاب كلّ قوم كتابهم . وقيل أخنوخ ( وهو إدريس عليه السلام ) . وقيل إنها أنزلت على آدم عليه السلام في إحدى وعشرين صحيفة . وقضية هذه المقالة أنها توقيفية علمها اللَّه تعالى بالوحي ؛ والمقالتان الأوليان محتملتان لأن تكون توقيفية وأن تكون اصطلاحية وضعها آدم وإدريس عليهما السلام . على أنه يحتمل أن يكون بعض ذلك توقيفيا علمه اللَّه تعالى بالوحي ، وبعضه اصطلاحيا وضعه البشر : واحد أو جماعة ، فيصير الخلاف فيه كالخلاف في اللغة هل هي توقيفية أو اصطلاحية على ما هو مقرّر في علم الأصول ، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم ( 1 ) .
--> ( 1 ) كان العلماء فريقين وهم ينظرون إلى نشأة اللغة - ومنها الخط - فمنهم من آثر الا يقحم نفسه في تتبع أمر غيبي لا طائل تحته . قال السبكي في « رفع الحاجب » : الصحيح عندي أنه لا فائدة لهذه المسألة ، وهو ما صححه ابن الأنباري وغيره ولذلك قيل : ذكرها في الأصول فضول . أما الفريق الثاني فيبدو أنه وجد فائدة في دراسة نشأة اللغة ، فكتب في الموضوع عدد من العلماء القدامى والمحدثين : الصاحبي ، الخصائص ، المزهر ، البلغة في أصول اللغة . وكان ابن جنيّ من أبرز الذين كتبوا في الموضوع فذكر نظرية الإلهام ونظرية التواضع والاصطلاح . وأورد ما أطلق عليه فيما بعد النظرية الصوتية . وقد مال إلى هذه النظرية بقوله : « وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل » وقد اعتقد انه لم يرد خبر صحيح في أن اللغة توقيف وإلهام . ومن أهم أقوال ابن جنيّ في هذا المذهب : « وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات إنما هو من الأصوات المسموعات كدويّ الريح وحنين الرعد وخرير الماء ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد وهذا عندي وجه صالح . ومذهب متقبّل » . ( راجع الخصائص لابن جنيّ 1 / 41 . والدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني ص 269 - 270 - 271 ) .