أحمد بن علي القلقشندي
8
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بغير شفاه ، نقشت النّقوش الموضوعة لتلك الألفاظ ، فيطالع تلك النّقوش ، ويفهم منها تلك الألفاظ ، ومن الألفاظ تلك المعاني ؛ ولا علاقة معقولة بين المعاني والألفاظ على الأمر العام ، ولا بين الألفاظ والنقوش الموضوعة ؛ ومن ثمّ جاء اختلاف اللَّغات والخطوط كالعربيّة والرّومية وغيرهما . وأما الموازنة بينه وبين اللفظ ، فالأصل في ذلك أن الخطَّ واللَّفظ يتقاسمان فضيلة البيان ويشتركان فيها : من حيث إن الخطَّ دالّ على الألفاظ والألفاظ دالَّة على الأوهام ؛ ولاشتراك الخط واللفظ في هذه الفضيلة وقع التناسب بينهما في كثير من أحوالهما ؛ وذلك أنهما يعبران عن المعاني ، إلا أن اللفظ معنى متحرّك والخطَّ معنى ساكن ، وهو وإن كان ساكنا فإنه يفعل فعل المتحرّك بإيصاله كلّ ما تضمنه إلا الأفهام وهو مستقرّ في حيّزه ، قائم ( 1 ) في مكانه ؛ كما أن اللفظ فيه العذب الرشيق السائغ في الأسماع كذلك الخط فيه الرائق المستحسن الأشكال والصّور ، وكما أن اللفظ فيه الجزل الفصيح الذي يستعمله مصاقع الخطباء ، ومفالق الشّعراء ، والمبتذل السخيف الذي يستعمله العوامّ في المكاتبة والمخاطبة ، كذلك الخطَّ فيه المحرّر المحقّق الذي تكتب به الكتب السلطانية والأمور المهمة ، وفيه المطلق المرسل الذي يتكاتب به الناس ويستعملونه فيما بينهم . وكما أن اللفظ يقع فيه لحن الإعراب الذي يهجّنه ، كذلك الخط يقع فيه لحن الهجاء . وكما أن اللفظ إذا كان مقبولا حلوا رفع المعنى الخسيس وقرّبه من النّفوس ، وإن كان غثّا مستكرها وضع المعنى الرفيع وبعّده من القلوب ، وكذلك الخط إذا كان جيّدا حسنا بعث الإنسان على قراءة ما أودع فيه وإن كان قليل الفائدة ، وإن كان ركيكا قبيحا صرفه عن تأمّل ما تضمّنه وإن كان جليل الفائدة . ولما اشترك اللفظ والخط في الفوائد العامّة التي جعلت فيهما وقع الاشتراك أيضا بين آلتيهما ، إذ آلة اللفظ اللسان ، وآلة الخط القلم ؛ وكل منهما يفعل فعل
--> ( 1 ) في الأصل : « حيزه ومكانه فبائم » والسياق يقتضي ما أثبتناه ( راجع الطبعة الأميرية ص 5 ) .