أحمد بن علي القلقشندي
7
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وبهذه الفضائل حافظت الغريزة الإنسانية على قبوله بطلب تعلَّمه محافظة لم يحتج بها إلى تذكار بعد الغيبة . ولهذه العلَّة استغنى عن كتاب يصنّف فيه » . ثم قال : « وجميع العلوم إنما تعرف بالدلالة عليها : بالإشارة ، أو اللفظ ، أو الخط ، فالإشارة تتوقّف على المشاهدة ، واللفظ يتوقّف على حضور المخاطب وسماعه ؛ أما الخط فإنه لا يتوقّف على شيء فهو أعمّها نفعا وأشرفها » . واعلم أنه قد تقدّم في الكلام على اللغة في « النوع الأول مما يحتاج إليه الكاتب » أنه ينبغي للكاتب أن يتعلَّم لغة من يحتاج إلى مخاطبته ، أو مكاتبته من اللغات غير العربية ؛ فكذلك ينبغي أن يتعلم من الخطوط غير العربية ما يحتاج إليه من ذلك ، فقد قال محمد بن عمر المدائني ( 1 ) في كتاب « القلم والدواة » إنه يجب عليه أن يتعلم الهندية وغيرها من الخطوط العجمية . ويؤيد ذلك ما تقدّم في الكلام على اللغة أن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم « أمر زيد بن ثابت رضي اللَّه عنه أن يتعلم كتاب يهود من السّريانية أو العبرانية فتعلَّمها » وكان يقرأ على النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم كتبهم ويجيبهم عنه . الطرف الثالث في وضع الخط ؛ وفيه جملتان الجملة الأولى في بيان المقصود من وضعه ، والموازنة بينه وبين اللفظ أما بيان المقصود من وضعه ، فاعلم أنّ وضع اللفظ لأداء المعنى ، الحاصل في الذهن المشعور به للمسمع ؛ إذ لا وقوف على ما في الذهن ؛ ووضع الخط لأداء اللفظ المقصود فهمه للناظر فيه . فإذا أردت إيقافك أحدا على ما في ذهنك من المعاني تكلمت بألفاظ وضعت لها ، وإذا أردت تأدية ألفاظ لذلك الإيقاف إلى أحد
--> ( 1 ) لعله موفق الدين المدائني . وقد وصفه صاحب كشف الظنون بأنه أديب كاتب له « المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء » مولده سنة 590 ه . ، ولم يذكر وفاته . ( كشف الظنون 2 / 1730 ) .