أحمد بن علي القلقشندي

572

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

سرير الملك الذي كان بصدره إلى آخر أيام المستعلي ( 1 ) . فلما ولي ابنه الآمر الخلافة بعده ، نقل الجلوس من الإيوان الكبير إلى القاعة المعروفة بقاعة الذهب بالقصر أيضا ، وصار يجلس من مجالسها على سرير الملك به ، وجعل الإيوان الكبير خزانة للسلاح ، ولم يتعرّض لإزالة سرير الملك منه حتّى جاءت الدولة الأيوبية ، وهو باق ، وكان جلوس الخليفة في هذه الحالة لا يتعدّى يومي الاثنين والخميس ، وليس ذلك على الدوام بل على التقرير بحسب ما يقتضيه الحال . فإذا أراد الجلوس فإن كان في الشتاء علَّق المجلس الذي يجلس فيه بستور الديباج ، وفرش بالبسط الحرير ؛ وإن كان في الصيف ، علق بالستور الدّبيقية وفرش بطبريّ طبرستان المذهب الفائق ، وهيئت المرتبة المعدّة لجلوسه على سرير الملك بصدر المجلس ، وغشّي السرير بالقرقوبيّ ( 2 ) ، ثم يستدعى الوزير من داره بصاحب الرسالة على حصان رهوان ( 3 ) في أسرع حركة على خلاف الحركة المعتادة ، فيركب الوزير في هيئته وجماعته وبين يديه الأمراء ، فإذا وصل إلى باب القصر ترجّل الأمراء ، وهو راكب إلى أوّل باب باب من الدّهاليز الطَّوال عند دهليز يعرف بدهليز العمود ، ويمشي وبين يديه أكابر الأمراء إلى مقطع الوزارة بقاعة الذهب ، فإذا تهيأ جلوس الخليفة ، استدعى الوزير من مقطع الوزارة إلى باب المجلس الذي فيه الخليفة وهو مغلق ، وعلى بابه ستر معلَّق ، فيقف زمام القصر عن يمين باب المجلس وزمام بيت المال عن يساره ، والوزير واقف أمام باب المجلس وحواليه الأمراء المطوّقون ( 4 ) وأرباب الخدم الجليلة ، وفي خلال القوم قرّاء الحضرة ؛ ويضع صاحب المجلس الدواة مكانها من المرتبة أمام الخليفة ، ثم

--> ( 1 ) خلافته من سنة 487 ه إلى سنة 495 ه . ( 2 ) القماش القرقوبي نسبة إلى « كسكر » وهي بين الكوفة والبصرة . ( معجم البلدان : 4 / 461 والقاموس : 1 / 120 ) . ( 3 ) يقال : جاءت الخيل رهوا : أي متتابعة لينة . ( المعجم الوسيط : 379 ) . ( 4 ) كانوا في العهد الفاطمي يخلع عليهم بأطواق من الذهب في أعناقهم . وكانوا بمثابة الأمراء مقدّمي الألوف زمن المماليك . ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى : 44 ) .