أحمد بن علي القلقشندي

564

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الثالثة - « التوقيع بالقلم الجليل » وكان يسمّى عندهم الخدمة الصغيرة لجلالتها ، ولصاحبها الطَّرّاحة والمسند في مجلسه بغير حاجب . وموضوعها الكتابة بتنفيذ ما يوقّع به صاحب القلم الدقيق ، وبسطه . وصاحب القلم الدقيق في المعنى ككاتب السر أو كاتب الدّست في زماننا ، وصاحب القلم الجليل ككاتب الدّرج . فإذا رفعت قصص المظالم ، حملت إلى صاحب القلم الدقيق فيوقّع عليها بما يقتضيه الحال بأمر الخليفة أو أمر الوزير أو من نفسه ، ثم تحمل إلى الموقّع بالقلم الجليل لبسط ما أشار إليه صاحب القلم الدقيق ، ثم تحمل في خريطة إلى الخليفة فيوقّع عليها ، ثم تخرج في خريطتها إلى الحاجب فيقف على باب القصر ، ويسلَّم كلّ توقيع لصاحبه . أمّا توقيع الخليفة بيده على القصص ، فإنه إن كان ثمّ وزير صاحب سيف وقّع الخليفة على القصة بخطه : « وزيرنا السيد الأجل ( ونعته بالمعروف به ) أمتعنا اللَّه تعالى ببقائه يتقدّم بكذا وكذا إن شاء اللَّه تعالى » ويحمل إلى الوزير فإن كان يحسن الكتابة ، كتب تحت خط الخليفة : « أمتثل أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه » وإن كان لا يحسن الكتابة ، كتب أمتثل فقط ؛ وإن لم يكن وزير صاحب سيف : فإن أراد الخليفة نجاز الأمر لوقته ، وقّع في الجانب الأيمن من القصة « يوقّع بذلك » فتخرج إلى صاحب ديوان المجلس فيوقّع عليها بالقلم الجليل ويخلى موضع العلامة ( 1 ) ، ثم تعاد إلى الخليفة فيكتب في موضع العلامة ( يعتمد ) وتثبت في الدواوين بعد ذلك . وإن كان يوقع في مساحة أو تسويغ أو تحبيس ، كتبت لرافعها بذلك « وقد أمضينا ذلك » وإن أراد علم حقيقة القصة ، وقّع على جانب القصة « ليخرج الحال في ذلك » وتحمل إلى الكاتب فيكتب الحال وتعاد إلى الخليفة فيفعل فيها ما أراد من توقيع ومنع ، واللَّه أعلم .

--> ( 1 ) وكانت علامتهم أبدا : « الحمد للَّه رب العالمين » . ( خطط المقريزي : 1 / 403 ) .