أحمد بن علي القلقشندي
451
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يوسف عليه السلام وجعله ثلاثمائة وستين قرية لتمير ( 1 ) كلّ قرية منها بلد مصر يوما من أيام السنة . قلت : وأما الآن فقد نقصت عدّة قراه بسبب ما عراها من ركوب ماء البركة التي هي مصل ( 2 ) مياهه ، المتقدّم ذكرها في جملة بحيرات الديار المصرية ، وركوب مائها على أكثر القرى المجاورة لها ، ولولا ما هو شامل له من بركة الصدّيق عليه السلام ، لكانت قد غطَّت جميع بلاده ، إذ المياه تنصبّ إليها شتاء وصيفا على ممرّ الدهور وتعاقب الأيام ، وليس لها مصرف تتصرف منه ضرورة إحاطة الجبال بها من الجهات التي هي بصدد أن تصرف منها ، ولقد اجتهد بعض حكَّام الزمان على أن يتحيل في عمل مصرف يقطع في الجبل لتتصرف منه مياهها فلم يجد إلى ذلك سبيلا . ولو كان ذلك في حيّز الإمكان ، لفعله يوسف عليه السلام . قال ابن الأثير في « عجائب المخلوقات » : ويقال إنه على جميع الفيّوم سور دائر ، ومقرّ ولايته ( مدينة الفيّوم ) وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة . قال في « القانون » : وطولها أربع وخمسون درجة وثلاثون دقيقة ، وعرضها ثمان وعشرون درجة وعشرون دقيقة . وقال في « تقويم البلدان » : القياس أن طولها ثلاث وخمسون درجة ، وعرضها تسع وعشرون درجة ، وهي مدينة حسنة على ضفّة البحر المنهى ( 3 ) حسنة الأبنية ، زاهية المعالم . وبها الجوامع والرّبط والمدارس ، وهي راكبة على الخليج المنهى من جانبيه ، وهو مخترق وسطها . قال في « العزيزي » ( 4 ) : وبين الفيّوم
--> ( 1 ) يقال : مار أهله ميرا ، أي أعدّ لهم الميرة ، وهي الطعام يجمع للسفر ونحوه . ( المعجم الوسيط : 893 ) . ( 2 ) راجع الصفحة السابقة ، حاشية رقم ( 3 ) . ( 3 ) وهو خليج المنهى الذي احتفره يوسف عليه السلام من أعلا أشمون إلى اللاهون بقصد جلب المياه إلى الفيّوم . ( انظر رواية ياقوت في معجم البلدان : 4 / 286 ) . ( 4 ) العزيزي للمهلبي .