أحمد بن علي القلقشندي
419
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الرائقة ، والخوانق الفاخرة ، مما لم يسمع بمثله في قطر من الأقطار ، ولا عهد نظيره في مصر من الأمصار . وغالب مبانيها بالآجرّ ؛ وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت ، مفروشة الأرض بالرخام ، مؤزّرة الحيطان به ، وغالب أعاليها من أخشاب النخل والقصب المحكم الصنعة ؛ وكلها أو أكثرها مبيّضة الجدر بالكلس الناصع البياض ، ولأهلها القوّة العظيمة في تعلية بعض المساكن على بعض حتّى إن الدار تكون من طبقتين إلى أربع طبقات ( 1 ) بعضها على بعض ، في كل طبقة مساكن كاملة بمنافعها ومرافقها ، وأسطحة مقطعة بأعلاها بهندسة محكمة ، وصناعة عجيبة . قال في « مسالك الأبصار » : لا يرى مثل صنّاع مصر في هذا الباب ، وبظاهرها البساتين الحسان ، والمناظر النّزهة ، والآدر المطلَّة على النيل ، والخلجان الممتدّة منه ومن مدّه ؛ وبها المستنزهات المستطابة ، خصوصا زمن الربيع لغدرانها الممتدّة من مقطعات النيل وما حولها من الزروع المختلفة وأزهارها المائسة التي تسرّ الناظر وتبهج الخاطر . قال ابن الأثير في « عجائب المخلوقات » : وأجمع المسافرون برّا وبحرا أنه لم يكن أحسن منها منظرا ، ولا أكثر ناسا ، وإليها يجلب ما في سائر أقاليم الأرض من كل شيء غريب وزيّ عجيب ؛ وملكها ملك عظيم ، كثير الجيوش ،
--> ( 1 ) وقد كان بعض الأبنية يصل إلى سبع طبقات فأكثر وذلك قبل أيام القلقشندي بكثير ، فقد ساح في مصر بعد بناء القاهرة بخمسين عاما عالم من الفرس يعرف « بالناصري خسرو » ووصف القاهرة والفسطاط ، فقال في رحلته المعروفة « بسفرنامه » : إن الفسطاط تظهر من بعد كالحبل وفيها منازل من سبع طبقات فأكثر ، وسبعة جوامع كبار . قال : ولو وصفت ما فيها من آثار السعادة والثروة لكذّبني الفرس وإن القاهرة قلّ أن يوجد لها شبيه في الدنيا وقد حسبت فيها عشرين ألف دكان جميعها ملك السلطان وأغلبها مؤجر بعشرة دنانير ، والحمامات والوكائل وغيرها من المباني لا يحصى عددا والكل ملك السلطان ، لأنه كان ممنوعا في القاهرة التملك لغيره ومتى نظرت إلى سراي السلطان وسط القاهرة من بعد تراها كأنها جبل لكثرة المباني وعلوها . وأما من دخل البلد فلا يمكنه نظرها بسبب علوّ الأسوار ( الخطط التوفيقية : 1 / 40 ) .