أحمد بن علي القلقشندي
386
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الفقه ، لكن قد ذكر القضاعي في خططه عن الليث بن سعد وابن لهيعة أنهما كانا يتيامنان في صلاتهما فيه ، وأن محرابه كان مشرقا جدّا ، وأن قرّة بن شريك حين هدمه وبناه ، تيامن به قليلا . وقد حكى الشيخ تقيّ الدين السبكي في شرح المنهاج أيضا عن بعض علماء الميقات : أنه أخبره أن فيه الآن انحرافا قليلا . قال : ولعله من تغيير البناء ، وقد سألت بعض علماء هذا الشأن عن ذلك ، فأخبرني عن الشيخ تقيّ الدين أبي الطاهر رأس علماء الميقات في زماننا أنه كان يقول : من الدلالة على صحة عملنا في استخراج القبلة موافقته لمحراب الجامع العتيق . الثاني الجامع الطَّولوني ( 1 ) بناه أحمد بن طولون في سنة ( 2 ) تسع وخمسين ومائتين على الجبل المعروف بجبل يشكر . قال القضاعيّ : وينسب إلى يشكر بن جزيلة ( 3 ) من لخم ، كان خطَّة لهم . قال ابن عبد الظاهر : وهو جبل مبارك معروف بإجابة الدعاء فيه .
--> ( 1 ) كان الجامع الطولوني منار هدى وعرفان منذ إنشائه ؛ ولكن أطفئت مصابيحه طوال عهد الحروب الصليبية ، بل قبل أن تشب تلك الحروب بزمن مديد ، ذلك أن الغلاء الذي اجتاح مصر في عهد المستنصر باللَّه ( 427 ه - 487 ) خرّب قطائع ابن طولون بأسرها ولم يبق ثمة ساكن حول الجامع . وتوالت الأيام على ذلك وتشعّث الجامع وخرب أكثره وصار أخيرا مأوى للمغاربة القادمين إلى الحج ينزلون فيه بأباعرهم ومتاعهم عندما ينزلون بمصر . وطالت على المسجد الأيام وظل خرابا إلى سنة 696 ه إذ أمر بتجديده المنصور لاجين ورتّب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة ، ودرسا لتفسير القرآن الكريم ، ودرسا للحديث ودرسا للطب ودرسا للقراءات ودرسا للميقات . ( الحياة العقلية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام : ص 17 ) . ( 2 ) وقد اختلف المؤرخون في تحديد السنة التي بني فيها الجامع . ( راجع الانتصار : 4 / 122 ) . ( 3 ) كذا في معجم قبائل العرب . وفي الانتصار : « يشكر بن جديلة » بالدال المهملة .