أحمد بن علي القلقشندي
387
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
قال : ويقال : إن اللَّه تعالى كلم موسى عليه السلام عليه . ويقال : إن ابن طولون أنفق على هذا الجامع مائة ألف دينار وعشرين ألفا من كنز وجده . ويقال : إنه لما فرغ من بنائه أمر بتسمع ما يقوله الناس فيه من العيوب ، فسمع رجل يقول : محرابه صغير ، وآخر يقول : ليس فيه عمود ، وآخر يقول : ليس فيه ميضأة ، فقال : أما المحراب ، فإني رأيت النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم ، وقد خطه لي ، فأصبحت فرأيت النّمل قد أطافت بالمكان الذي خطه لي . وأما العمد ، فإني بنيته من مال حلال ، وهو الكنز الذي وجدته فما كنت لأشوبه بغيره ، والعمد لا تكون إلا من مسجد أو كنيسة فنزهته عن ذلك . وأما الميضأة ، فأردت تطهيره من النجاسات ، وها أنا أبنيها خلفه ، ثم أمر ببنائها على القرب . ويحكى أنه كان لا يبعث بشيء قط ، وأنه أخذ يوما درج ورق أبيض وأخرجه ومده كالحلزون ، ثم استيقظ لنفسه وظن أنه فطن له ، فأمر بعمارة المنارة على تلك الهيئة ، وعلى نظير العشاري الذي على رأسها عمل العشاري على رأس قبة الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه . ولما فرغ من بناء الجامع رأى في منامه كأن نارا نزلت من السماء فأحرقت الجامع دون ما حوله فقصّ ( 1 ) رؤياه على عابر فقال له : بشراك قبوله ، فإن الأمم الخالية كانوا إذا قرّبوا قربانا فتقبّل ، نزلت نار من السماء فأكلته ، كما في قصة هابيل وقابيل ؛ ورأى مرة أخرى كأن الحق سبحانه وتعالى تجلَّى على ما حول الجامع فعبره له عابر بأنه يخرب ما حول الجامع ويبقي هو ، بدليل قوله تعالى : * ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَلِ جَعَلَه دَكًّا ) * ( 2 ) وكان الأمر كذلك ، فهدمت ( 3 ) منازل بني طولون في نكبتهم ولم يبق منها إلا الجامع .
--> ( 1 ) في الأصل « فعبّر » وقد استبدلها محقق الطبعة الأميرية بهذا اللفظ عن نص المقريزي . ونحن لا نرى حاجة لتغييرها إذ هي من الألفاظ المستعملة في ذلك العصر . ( 2 ) سورة الأعراف / 143 . ( 3 ) راجع الصفحة السابقة ، هامش ( 1 ) .