أحمد بن علي القلقشندي

363

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فيهم بألف فارس ، فلما مات جزع عليه ملكه وبنى له هذا الهرم فدفنه فيه . قال : وقبر الملك نفسه الهرم الكبير من الأهرام التي غربيّ دير أبي هرميس ، وعلى بابه لوح من الحجر الكذّان طوله ذراع في ذراع مكتوب بالخط البرباويّ ( 1 ) . ومن عظيم بنيانهم أيضا ولطيف حكمهم ( البرابي ) ( 2 ) وهي بيوت عبادة كانت لهم ، زبروا ( 3 ) فيها حكمهم ، ورقموا تواريخ ملوكهم ، وصوّروا فيها صور الأمم التي حولهم . فمتى قصدتهم أمة من الأمم ، أوقعوا بصورهم المصوّرة من النّكال ما أرادوا ، فيصيب تلك الأمة على البعد ما أوقعوه بتلك الصور ، إلى غير ذلك من الحكم التي أودعوها والطَّلَّسمات التي وضعوها بجدرانها . ويقال : إن أوّل من بنى البرابي بمصر دلوكة العجوز ، التي ملكت مصر بعد فرعون لعنه اللَّه ! . قال في « مسالك الأبصار » : وقد أخبرني الحكيم شمس الدين محمد بن سعد الدمشقيّ ( 4 ) أنه رآها وتأملها ، فوجدها مشتملة على جميع أشكال الفلك ، وأن الذي ظهر له أنه لم يعملها حكيم واحد بل تولَّى عليها قوم بعد قوم حتّى تكاملت في دور ، وهو ثلاثون ألف سنة ، لأن مثل هذه الأعمال لا تعمل إلا بالأرصاد ولا يكمل رصد المجموع في أقل من هذه المدّة . قلت : ويجوز أن يكون الرّصد حصل على الوجه المذكور ، وزبر ورقم في الكتب ، فلما بنى الثاني هذه البرابي ، نقل منها ما زبر في الكتب من ذلك الزمن المتقدّم .

--> ( 1 ) هو الخط الهير وغليفي . ( 2 ) انظر الصفحة : 355 . ( هامش 3 ) . ( 3 ) أي كتبوا فيها . ( اللسان : 4 / 315 ) . ( 4 ) كاتب أديب ، استوزره الملك الصالح إسماعيل ، توفي بدمشق سنة 650 ه . ( الأعلام : 6 / 137 ) .