أحمد بن علي القلقشندي
360
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
لبعض ملوكها في بعض الأزمان ، ومدن دون ذلك يأتي الكلام على جميعها بعد ذكر الكور القديمة والأعمال المستقرّة إن شاء اللَّه تعالى . وأما المباني العظيمة الباقية على ممرّ الأزمان - فاعلم أن ملوك مصر الأقدمين كان لهم من العناية بالبناء ما ليس لغيرهم ، وكانوا يتفاخرون بذلك لإخباره على طول الزمن بعظمة ملكهم واقتدارهم على ما لم يبلغه غيرهم . ومن أعظم أبنيتهم ( الأهرام ) ( 1 ) وهي قبور اتخذوها في غاية الوثاقة حفظا لأجسامهم ، وكان لهم بها العناية التامة ، وابتنوا منها عدة بالجبل الغربي من النيل ، بعضها مقابل الفسطاط ، وبعضها ببوصير السّدر وسقّارة ودهشور من الأعمال الجيزية ، وبعضها بميدوم من البهنساوية ؛ وأعظمها خطرا وأجلَّها قدرا الهرمان المقابلان للفسطاط ( 2 ) ، يقال إن طول عمود كل هرم منهما ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا ( 3 ) ، تحيط بها أربعة سطوح متساوية الأضلاع ، طول كل ضلع منها أربعمائة وستون ذراعا . قال أبو الصلت : ليس على وجه الأرض بناء باليد حجر على حجر بهذا المقدار . ويقال : إن لها أبوابا في أزج ( 4 ) في الأرض طول كل درج مائة وخمسون ذراعا . وباب الهرم الشرقي من الجهة البحرية ، وباب الهرم الغربي من الناحية الغربية . والصابئة ( 5 ) تحجّ هذين الهرمين ويقولون : إن أحدهما قبر إدريس عليه السلام ، والآخر قبر ابنه صابىء الذي إليه ينتسبون .
--> ( 1 ) الغالب أن هذه التسمية « الهرم » أطلقها العرب إشارة إلى قدمه . وقد بني الهرم أول الأمر - 3000 ق م - مدرّجا من طبقات ست ، ثم أخرجوه كاملا أيام « سنفرو » . ( الموسوعة العربية الميسرة : 1895 ) . ( 2 ) هما هرم خوفو ثاني فراعنة الأسرة الرابعة المتوفى سنة 2560 ق . م وهرم خفرع رابع فراعنة الأسرة الرابعة المتوفى سنة 2525 ق . م . ( الموسوعة العربية الميسرة : 761 ، 768 ) . ( 3 ) وارتفاع هرم خوفو يساوي 138 مترا . ( أنظر : Petit Larousse illusttre , P 1625 ) . ( 4 ) بناء مستطيل مقوس السقف . ( المعجم الوسيط : 15 ) . ( 5 ) اللفظة آرامية الأصل تدل على التطهير والتعميد ، وتطلق على فرقتين : الأولى جماعة المندائيين ، أتباع يوحنا المعمدان والثانية صابئة حرّان الذين عاشوا زمنا في كنف الإسلام . ورد ذكرهم في القرآن ثلاث مرات بجانب اليهود والنصاري مما يؤذن بإنهم من أهل الكتاب عني بهم المؤرخون الإسلاميون وخاصة الشهرستاني في « الملل والنحل » والدمشقي في « نخبة الدهر في عجائب البحر » ؛ ويعدون بين الروحانيين الذين يقولون بوسائط بين اللَّه والعالم ، لهم طقوس ثابتة ويتطهرون بالماء إذا لمسوا جسدا ، ويحرمون الختان كما يحرمون الطلاق إلا بأمر من القاضي ، ويمنعون تعدد الزوجات . عاشوا متفرقين في شمالي العراق ، ومركزهم الرئيسي « حرّان » ولغتهم السريانية . منهم ثابت بن قرّة وابنه سنان وأبو إسحاق بن هلال الوزير وابن وحشيّة . ( الموسوعة العربية الميسرة : ص 1112 ) .