أحمد بن علي القلقشندي

355

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بالبدرشين من عمل الجيزة ، وهي المعروفة بمصر القديمة ، وقد خربت وصارت كيمانا ( 1 ) ، وبها آثار بنيان من الحجر الكذّان ( 2 ) يوجد تحت الردم ، على القرب من أحجار الأهرام في العظمة والمقدار ، وبوسطها آثار برباة ( 3 ) بها صنمان عظيمان من حجر صوّان أبيض ، طول كل صنم منهما نحو عشرين ذراعا ، وهما مطروحان على الأرض ، وقد غطَّى الطين أسفلهما . وكان على القرب منهما بيت عظيم من حجر أخضر ، قطعة واحدة : جوانبه الأربعة وأرضه وسقفه ، ولم يزل على ذلك إلى الدولة الناصرية حسن بن الناصر محمد بن قلاوون ، وأراد الأمير شيخو أتابك العساكر نقله إلى القاهرة صحيحا فعولج فانكسر فأمر بأن تنحت منه أعتاب فنحتت وجعل منها أعتاب خانقاه ( 4 ) وجامعه بصليبة الجامع الطولوني ؛ وشرقي هذه المدينة معالم سور مبني بالحجر الكذّان النحيت فصوصا صغارا بالطين والجير الذي قد علمت ، لونه لون الحجر . ويقال : إنه سور الأهراء التي بناها يوسف عليه السلام لادخار الحنطة في سنبلها . ويذكر بعض أهل البلاد أنه يوجد بعض السّنبل الذي أخبر به يوسف عليه السلام تحت تلك الأرض إلى الآن . وأنه في المقدار فوق مقدار الحنطة المتعارفة بقليل .

--> ( 1 ) الكيمان جمع كوم وهو الموضع المرتفع المشرف كالتل . ( المعجم الوسيط : 805 ) . ( 2 ) مفردها كذّانة وهي الحجارة الرخوة وربما كانت نخرة . ( اللسان : 13 / 357 ) . ( 3 ) برباة أو بربا : وهو اسم أطلقه المصريون على جميع المعابد والآثار القديمة ؛ وهذا القول الذي قال به ابن جبير يؤيده ياقوت إذ يقول : « بربا كلمة قبطية ، وهي اسم للبناء المحكم القديم الذي كان يقام في الأيام الوبنية وكان يستعمل موضعا للسحر . ويستعمل سفروس الأشمونيني المؤرخ النصراني لبطارقة الإسكندرية كلمة بربا بمعنى محدد ووثيق وهو المعبد الوثني تمييزا له من العمائر المقامة للعبادة المسيحية . والكلمة العربية « بربا » هي رواية في رسم الكلمة القبطية « بربيه » أي المعبد واستعمالها اكسبها الجمع الفصيح أي « برابي » . ( دائرة المعارف الإسلامية : 6 / 564 ) . ( 4 ) كلمة فارسية معناها « بيت » ، وأصلها « خونقاه » أي الموضع الذي يأكل فيه الملك . ( المقريزي ، الخطط : 2 / 414 ) .