أحمد بن علي القلقشندي

341

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

صالحا انفرد فيه لعبادة اللَّه تعالى . وذكر الكندي في كتاب « فضائل مصر » ما يوافق ذلك : وهو أن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنه سار في سفح المقطَّم ومعه المقوقس ، فقال له عمرو : ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام ؟ فلو شققنا في أسفله نهرا من النيل وغرسناه نخلا ؛ فقال المقوقس : وجدنا في الكتب أنه كان أكثر البلاد أشجارا ونبتا وفاكهة ، وكان ينزله المقطَّم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام ، فلما كانت الليلة التي كلم اللَّه تعالى فيها موسى عليه السلام ، أوحى اللَّه تعالى إلى الجبال : إني مكلَّم نبيّا من أنبيائي على جبل منك ، فسمت الجبال كلَّها وتشامخت إلا جبل بيت المقدس فإنه هبط وتصاغر ، فأوحى اللَّه تعالى إليه : لم فعلت ذلك ؟ وهو به أخبر ، فقال : إعظاما وإجلالا لك يا رب ! فأمر اللَّه تعالى الجبال أن يحيّوه كل جبل مما عليه من النبت ، فجاد له المقطَّم بكل ما عليه من النبت حتّى بقي كما ترى ، فأوحى اللَّه تعالى إليه إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غرس الجنة ( 1 ) . وأنكر القضاعي وغيره أن يكون لمصر ولد اسمه المقطم ، وجعلوه مأخوذا من القطم وهو القطع ، لكونه منقطع ( 2 ) الشجر والنبات . قال ابن الأثير في « عجائب المخلوقات » : وفيه كنوز عظيمة ، وهياكل كثيرة ، وعجائب غريبة . ولملوك مصر فيه من الجواهر والذهب والفضة والأواني ، والآلات النفيسة ، والتماثيل العجيبة ، وتراب الصنعة ما يخرج عن حدّ الإحصاء . قال في « الروض المعطار » : وإذا دبّرت تربته حصل منها ذهب صالح . ويلي المقطَّم من جهة الشّمال « اليحاميم » ( 3 ) وهي الجبال المتفرقة المطلة

--> ( 1 ) وفي ياقوت : 5 / 176 رواية أخرى عن ابن العاص والمقوقس نقلها عن عبد الرحمن بن عبد الحكم . ( 2 ) وهو الرأي الذي اعتمده ياقوت في معجم البلدان : 5 / 176 . ( 3 ) في الروض المعطار : « اليحموم جبل بالجزيرة قريب من الثرثار » وقد ذكر ياقوت في مادة « اليحموم » ثلاثة مواضع بهذا الاسم ولم يذكر أن بقرب الثرثار جبلا يقال له اليحموم . والظاهر أن صاحب الروض المعطار قد قاس « اليحموم » على « الحشاك » في قول الأخطل : أمست إلى جانب الحشّاك جيفته ورأسه دونه اليحموم والصدر . والحشاك إلى جانب الثرثار : معجم البكري ص 450 ( الروض المعطار : ص 617 وتعليق المحقق ) .