أحمد بن علي القلقشندي

336

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

[ بحر أبي المنجا ] أما بحر أبي المنجا ، فإنه وإن عظم شأنه مستحدث ، حفره الأفضل ( 1 ) بن أمير الجيوش وزير المستعلي باللَّه الفاطميّ . قال ابن أبي المنصور في « تاريخه » : وكان سبب حفره أن البلاد الشرقية كانت جارية في ديوان الخلافة ، وكان معظمها لا يروى في أكثر السنين ولا يصل الماء إليها إلا من خليج السّردوس المتقدّم ذكره ، أو من غيره من الأماكن البعيدة . وكان يشارف العمل يهوديّ اسمه أبو المنجا ، فرغب أهل البلاد إليه في فتح ترعة يصل الماء منها إليهم في ابتدائه فرفع الأمر إلى الأفضل ، فركب في النيل في ابتدائه في مركب ورمى بحزم من البوص ( 2 ) في النيل وجعل يتبعها بمركبه إلى أن رماها النيل إلى فم ذلك البحر فحفر من هناك ، وابتدأ حفره يوم الثلاثاء السادس من شعبان سنة ست وخمسمائة ، وأقام الحفر فيه سنتين وغرم فيه مال كثير . وكان في كل سنة تظهر فائدته ، ويتضاعف ارتفاع البلاد التي تحته ، وغلب عليه إضافته إلى أبي المنجا لتكلمه فيه . فلما عرض على الأفضل ما صرف عليه استعظمه وقال : غرمنا عليه هذا المال العظيم والاسم لأبي المنجا ، فسماه البحر الأفضليّ فلم يتم له ذلك ولم يعرف إلا بأبي المنجا ، ثم سطى ( 3 ) بأبي المنجا المذكور بعد ذلك ونفي إلى الإسكندرية . ولما ولي المأمون بن البطائحي الوزارة تحدّث معه الأمراء في أن يتخذ لفتحه يوما كفتح خليج القاهرة ، فابتنى عند سدّه منظرة متسعة ينزل فيها عند فتحه ( 4 ) .

--> ( 1 ) وقد شغل منصب الوزارة مدة 28 سنة ونصف ، من بداية خلافة المستعلي وأواخر خلافة المستنصر حتى سنة 515 ه . آخر رمضان من خلافة الآمر الذي قتله واستوزر مكانه المأمون البطائحي . ( الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي : ملحق رقم 3 ) . ( 2 ) البوص نبات من نباتات المستنقعات من الفصيلة النجيلية على هيئة القصب والغار . ( المعجم الوسيط : 76 ) . ( 3 ) سطى به أي قهره بالبطش . ( القاموس : 4 / 344 ) . ( 4 ) حول تفاصيل هذه الرواية انظر : الانتصار : 5 / 46 و 47 .