أحمد بن علي القلقشندي

97

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

العباس ، والواثق ، والناصر ؛ وتنافس فيه رؤساء الناس بالعراق ، لا سيما بالبصرة . فقد ذكر صاحب « الروض المعطار » ( 1 ) : أنهم تنافسوا في اقتنائه ، ولهجوا بذكره ، وبالغوا في أثمانه حتّى بلغ ثمن الطائر الفاره منها سبعمائة دينار ، ويقال : إنه بلغ ثمن طائر منها جاء من خليج القسطنطينية ألف دينار ، وكانت تباع بيضة الطائر المشهور بالفراهة بعشرين دينارا . وإنه كان عندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب . وإنه كان لا يمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه ولا العدل من اتخاذ الحمام والمنافسة فيه والإخبار عنها ، والوصف لأثرها والنعت لمشهورها ، حتّى وجه أهل البصرة إلى بكار بن قتيبة البكراني ( 2 ) ، قاضي مصر - وكان في فضله وعقله ودينه وورعه ما لم يكن عليه قاض - بحمامات لهم مع ثقات ، وكتبوا إليه يسألونه أن يتولَّى إرسالها بنفسه ، وكان الحمام عندهم متجرا من المتاجر لا يرون بذلك بأسا . وذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل اللَّه في « التعريف » : أن الحمام أوّل ما نشأ - يعني في الديار المصرية والبلاد الشامية - من الموصل وأنّ أوّل من اعتنى به من الملوك ونقله من الموصل : الشهيد نور الدين بن زنكي صاحب الشام رحمه اللَّه في سنة خمس وستين وخمسمائة . وحافظ عليه الخلفاء الفاطميون بمصر ، وبالغوا حتّى أفردوا له ديوانا وجرائد بأنساب الحمام . وقد اعتنى بعض المصنفين بأمره ؛ حتّى صنّف فيه أبو الحسن بن ملاعب القوّاس البغداديّ كتابا للناصر لدين اللَّه العباسي ، ذكر فيه أسماء أعضاء الطائر ، ورياشه ، والوشوم التي توشم في كل عضو ، وألوان

--> ( 1 ) « الروض المعطار في أخبار الأقطار » لأبي عبد اللَّه محمد بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد المنعم الحميري . وقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون أن وفاة الحميري كانت سنة 900 ه . وهو خطأ واضح إذ إن وفاة القلقشندي كانت سنة 821 ه . والروض المعطار من مصادره الأساسية . ولعل حاجي خليفة قد اطلع على نسخة من الروض عليها تاريخ سنة 900 ه فظنها سنة وفاته . ( كشف الظنون : 920 وراجع أيضا مقدمة الروض المعطار لمحققه الدكتور إحسان عباس ) . ( 2 ) قاض فقيه محدّث ولي القضاء في مصر للمتوكل العباسي سنة 246 ه . سجن بعهد أحمد بن طولون ومات في سجنه سنة 270 ه . ( الأعلام : 2 / 60 ) .