أحمد بن علي القلقشندي
515
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
* ( الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ ومُوسى ) * ( 1 ) وتجمع أيضا على صحائف ، وسمي المصحف مصحفا لجمعه الصحف . قال الجوهري : وسمي التصحيف تصحيفا للخطإ في الصحيفة . الجملة الثانية فيما كانت الأمم السالفة تكتب فيه في الزمن القديم وقد كانت الأمم في ذلك متفاوتة ، فكان أهل الصّين يكتبون في ورق يصنعونه من الحشيش والكلإ ، وعنهم أخذ الناس صنعة الورق ؛ وأهل الهند يكتبون في خرق الحرير الأبيض ، والفرس يكتبون في الجلود المدبوغة من جلود الجواميس والبقر والغنم والوحوش ؛ وكذلك كانوا يكتبون في اللَّخاف ( بالخاء المعجمة ) : وهي حجارة بيض رقاق ، وفي النّحاس والحديد ونحوهما ، وفي عسب النخل ( بالسين المهملة ) وهي الجريد الذي لا خوص عليه ، واحدها عسيب ، وفي عظم أكتاف الإبل والغنم . وعلى هذا الأسلوب كانت العرب لقربهم منهم . واستمرّ ذلك إلى أن بعث النبيّ صلى اللَّه عليه وسلَّم ونزل القرآن والعرب على ذلك ، فكانوا يكتبون القرآن حين ينزل ويقرأه عليهم النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم في اللَّخاف والعسب ؛ فعن زيد بن ثابت رضي اللَّه عنه أنه قال عند جمعه القرآن : « فجعلت أتتبّع القرآن من العسب واللَّخاف » . وفي حديث الزهريّ : « قبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم والقرآن في العسب » وربما كتب النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم بعض مكاتباته في الأدم كما سيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى . وأجمع رأي الصحابة رضي اللَّه عنهم على كتابة القرآن في الرّق لطول بقائه ، أو لأنه الموجود عندهم حينئذ . وبقي الناس على ذلك إلى أن ولي الرشيد الخلافة وقد كثر الورق وفشا عمله بين الناس أمر ألَّا يكتب الناس إلا في الكاغد ، لأن الجلود ونحوها تقبل المحو والإعادة فتقبل التزوير ، بخلاف الورق فإنه متى
--> ( 1 ) الأعلى / 18 - 19 .