أحمد بن علي القلقشندي
476
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ظلمة ، ويلفظ نورا ؛ قد يكون قلم الكاتب ، أمضى من شباة المحارب ؛ القلم سهم ينفذ المقاتل ، وشفرة تطيح بها المفاصل . ومن كلام العميد عمر بن عثمان الكاتب : قلم يطلق الآجال والأرزاق ، وينفث السّم والدّرياق ؛ قلم تدق عن الإدراك حركاته ، وتحلَّى بالنفائس فتكاته ؛ يسرع ولا انحدار السيل إلى قراره ، وانقداح الضوء من شراره ، معطوفة الغايات على المبادي ، مصروفة الأعجاز إلى الهوادي ؛ وإذا صال أراك كيف اختلاف الرماح بين الآساد . وله خصائص أخرى يبدعها إبداعا ، فإذا لم يأت بها غيره تطبّعا أتى بها هو طبعا ، فطورا يرى إماما يلقي درسا ، وطورا يرى ماشطة تجلو عرسا ، وطورا يرى ورقاء تصدح في الأوراق ، وطورا يرى جوادا مخلَّقا بخلوق السّباق ، وطورا أفعوانا مطرقا ، والعجب أنه لا يزهو إلا عند الإطراق ! ولطالما نفث سحرا ، وجلب عطرا ، وأدار في القرطاس خمرا ؛ وتصرّف في صنوف الغناء فكان في الفتح عمر ( 1 ) ، وفي الهدي عمّارا ( 2 ) ، وفي الكيد عمرا ( 3 ) فلا تحظى به دولة إلَّا فخرت على الدول ، واستغنت عن الخيل والخول . وقال الإسكندر : لولا القلم ما قامت الدنيا ، ولا استقامت المملكة . وكلّ شيء تحت العقل واللسان لأنهما الحاكمان على كل شيء ، والقلم يريكهما صورتين ، ويوجدكهما شكلين . وقال بعض حكماء اليونان : أمور الدنيا تحت شيئين : السيف والقلم ، والسيف تحت القلم . وقال آخر : فاقت صنعة القلم عند سائر الأمم جمع الحكم في صحون الكتب . وقال العتابي : ببكاء القلم تبسم الكتب . وقال البحتري : الأقلام مطايا الفطن . وقال أبو دلف العجليّ ( 4 ) : القلم صائغ الكلام ، يفرغ ما
--> ( 1 ) عمر بن الخطاب . ( 2 ) عمار بن ياسر . ( 3 ) عمرو بن العاص . ( 4 ) هو القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل : أمير الكرخ وسيد قومه . قدم الرشيد والمأمون وتوفي ببغداد سنة 226 ه . ( الأعلام : 5 / 179 ) .