أحمد بن علي القلقشندي

477

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يجمعه الفكر ، ويصوغ ما يسبكه اللب . وقال سهل بن هارون ( 1 ) : القلم أنف الضمير ، إذا رعف أعلن أسراره ، وأبان آثاره . وقال ثمامة ( 2 ) : ما أثّرته الأقلام لم تطمع في درسه الأيام . وقال هشام بن الحكم : أحسن الصنيع صنيع القلم والخطَّ الذي هو جنى العقول . وقال علي بن منصور : بنور القلم تضيء الحكمة . وقال الجاحظ : من عرف النعمة في بيان اللسان كان بفضل النعمة في بيان القلم أعرف . وقال غيره : بالقلم تزفّ بنات العقول إلى خدور الكتب . وقال المأمون : للَّه درّ القلم كيف يحوك وشي المملكة . وقال بعض الأعراب : القلم ينهض بما يظلع ( 3 ) بحمله اللَّسان ، ويبلغ ما لا يبلغه البيان . وقال بعضهم : القلم يجعل للكتب ألسنا ناطقة ، وأعينا ملاحظة ؛ وربما ضمنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الإخوان عند المشاهدة . وقال أوميرس الحكيم : الخط شيء أظهره العقل بواسطة سن القلم ، فلما قابل النفس عشقته بالعنصر . وقال مرطس الحكيم : الخط بالقلم ينمّي الحكمة . وقال جالينوس : القلم الطلسم الأكبر . وقال بقراط : القلم على ( 4 ) إيقاع الوتر ، والمهنة المنطقية مقدّمة على المهنة الطبيعية . وقال بليناس : القلم طبيب المنطق . قال أرسطاطاليس : القلم العلَّة الفاعلة ، والمداد العلة الهيولانيّة ، والخط العلة الصّورية ، والبلاغة العلَّة التمامية . وقد أكثر الشعراء القول في شرف القلم وفضله . فمن ذلك قول أبي تمّام الطائيّ : إن يخدم القلم السّيف الذي خضعت له الرّقاب وذلَّت خوفه الأمم

--> ( 1 ) كاتب بليغ حكيم من واضعي القصص . يلقب ببزرجمهر الإسلام . توفي سنة 215 ه . ( الأعلام : 3 / 143 ) . ( 2 ) هو ثمامة بن أشرس النميري : من كبار المعتزلة وأحد الفصحاء البلغاء المتقدمين . اتصل بالرشيد ثم بالمأمون . توفي سنة 213 ه . ( الأعلام : 2 / 100 ) . ( 3 ) ظلع ظلعا : أي عرج وغمز في مشيه . وظلعت الأرض بأهلها أي ضاقت بهم لكثرتهم . ( وسيط : 576 ) . ( 4 ) ولعله : « مقدّم على » أو نحو ذلك .