أحمد بن علي القلقشندي
475
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بالقلم إلى نفسه . قال ابن الهيثم ( 1 ) : من جلالة القلم أن اللَّه عز وجل لم يكتب كتابا إلا به ، لذلك أقسم به . قال المدائني : وقد روي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم قال « من قلم قلما يكتب به علما أعطاه اللَّه شجرة في الجنة خير من الدّنيا وما فيها » . وقد قيل الأقلام مطايا الفطن ، ورسل الكرم . وقال عبد الحميد : القلم شجرة ثمرها الألفاظ ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة ، وفيه ريّ العقول الكامنة . وقال جبل بن زيد : القلم لسان البصر يناجيه بما ستر عن الأسماع . وقال ابن المقفّع : القلم بريد العلم يحث على البحر ( 2 ) ، ويبحث عن خفيّ النظر . وقال أحمد بن يوسف : ما عبرات الغواني في خدودهن بأحسن من عبرات الأقلام . وقيل : القلم الطلسم الأكبر . وقيل : البيان اثنان : بيان لسان ، وبيان بنان ؛ ومن فضل بيان البنان أن ما تثبته الأقلام باق على الأبد ، وما ينبسه اللسان تدرسه الأيام . ويقال : عقول الرجال تحت أسنّة أقلامها ، بنوء الأقلام يصوب غيث الحكمة . وقال جعفر بن يحيى : لم أر باكيا أحسن تبسّما من القلم . قال ابن المعتز : القلم مجهّز لجيوش الكلام ، تخدمه الإرادة ، ولا يملّ من الاستزادة ، كأنه يقبّل بساط سلطان ، أو يفتّح نور بستان . ومن إنشاء الوزير ضياء الدين بن الأثير الجزريّ ، من جواب كتبه للعماد الأصفهاني : وكيف لا يكون ذلك ، وقلمها هو اليراع الذي نفثت الفصاحة في روعه ، وكمنت الشجاعة بين ضلوعه ، فإذا قال أراك كيف تنسّق الفرائد في الأجياد . ومن كلام أبي حفص بن برد الأندلسيّ ( 3 ) : ما أعجب شأن القلم ! يشرب
--> ( 1 ) هو داوود بن الهيثم المتوفى سنة 316 ه . : لغوي من النحاة من أهل الأنبار مولدا ووفاة ( الأعلام : 2 / 335 ) . ( 2 ) كذا بالأصل ، ولعلها « الخبر » . ( 3 ) هو أحمد بن برد ، من الكتاب الشعراء وكان مقدما في الدولة العامرية وبعدها . توفي سنة 418 ه . ( الأعلام : 1 / 103 ) .