أحمد بن علي القلقشندي

431

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

البديع ، وتبرّجت للنظَّارة في معرض الحسن والنّضارة . ومن كلام الوزير المغربيّ ( 1 ) : لو كان زمن الربيع شخصا لكان مقبّلا ، ولو أن الأيام حيوان لكان لها حليا ومجلَّلا ، لأن الشمس تخلص فيه من ظلمات حوت السماء ، خلاص يونس من ظلمات حوت الماء ؛ فإذا وردت الحمل وافت أحبّ الأوطان إليها وأعزّ أماكنها عليها . وكان عبدوس الخزاعيّ يقول : من لم يبتهج بالربيع ، ولم يستمتع بأنواره ولا استروح بنسيم أزهاره ، فهو فاسد المزاج ، محتاج إلى العلاج . ويروى عن بقراط الحكيم مثله ، وفيه بدل قوله : « فهو فاسد المزاج » فهو عديم حسّ ، أو سقيم نفس . ولجلالة محلّ هذا الفصل في القلوب ، ولنزوله من النفوس منزلة الكاعب الخلوب ، كانت الملوك إذا عدمته استعملت ما يضاهي زهره من البسط المصوّرة المنقّشة ، والنّمارق المفوّفة ( 2 ) المرقّشة . وقد كان لأنوشروان بساط يسميه بساط الشّتاء ، مرصّع بأزرق الياقوت والجواهر ، وأصفره وأبيضه وأحمره ، وقد جعل أخضره مكان أغصان الأشجار ، وألوانه بموضع الزّهر والنوار . ولما أخذ هذا البساط في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه في واقعة القادسيّة ، حمل إليه فيما أفاء اللَّه على المسلمين ؛ فلما رآه قال : « إن أمّة أدّت هذا إلى أميرها لأمينة » ثم مزّقه فوقع منه لعليّ عليه السلام قطعة في قسمه مقدارها شبر في شبر فباعها بخمسة عشر ألف دينار . وقد أطنب الناس في وصف هذا الفصل ومدحه ، وأتوا بما يقصر عن شرحه ، وتغالى الشعراء فيه غاية التّغالي ، وفضّلوا أيامه ولياليه على الأيّام والليالي ، وما أحلى قول البحتريّ :

--> ( 1 ) هو الحسين بن علي بن الحسين ، أبو القاسم المغربي : وزير من الدهاة العلماء الأدباء . يقال : إنه من أبناء الأكاسرة . توفي بميافارقين سنة 418 ه . ( الأعلام : 2 / 245 ) . ( 2 ) من الفوف ، وهو البياض الذي يكون في أظفار الأحداث . ومنه قيل : برد مفوّف : أي رقيق أو فيه خطوط بيض . ( اللسان : 9 / 273 - 274 ) .