أحمد بن علي القلقشندي
432
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أتاك الربيع الطَّلق يختال ضاحكا من الحسن حتّى كاد أن يتكلَّما وقد نبّه النّوروز في غسق الدّجى أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما يفتّحها برد النّدى فكأنّما يبثّ حديثا بينهنّ مكتّما ومن شجر ردّ الربيع رداءه كما نشرت ثوبا عليه منمنما أحلّ فأبدى للعيون بشاشة وكان قذى للعين إذ كان محرما ورقّ نسيم الجوّ حتّى كأنّما يجيء بأنفاس الأحبّة نعّما وأحلى منه قول أحمد بن محمد العلويّ : أو ما ترى الأيّام كيف تبرّجت وربيعها وال عليها قيّم ؟ لبست به الأرض الجمال فحسنها متأزّر ببروده متعمّم انظر إلى وشي الرّياض كأنّه وشي تنشّره الأكفّ ينمنم والنّور يهوى كالعقود تبدّدت والورد يخجل والأقاحي تبسم والطَّلّ ينظم فوقهنّ لآلئا قد زان منهنّ الفرادى التّوأم ويكاد يذري الدّمع نرجسها إذا أضحى ويقطر من شقائقها الدّم ومنها : أرض تباهيها السماء إذا دجا ليل ولاحت في دجاها الأنجم فلخضرة الجوّ اخضرار رياضها ولزهره زهر ونور ينجم وكما يشقّ سنا المجرّة جرّه واد يشقّ الأرض طام مفعم لم يبق إلا الدّهر إذ باهت به وحيا يجود به ملثّ مرهم ( 1 ) وقول الآخر : طرق الحياء ببّره المشكور أهلا به من زائر ومزور
--> ( 1 ) ملثّ : من ألثّ المطر إلثاثا أي دام أياما لا يقلع ؛ والمرهم : من الرّهمة ، وهو المطر الضعيف الدائم القطر .