أحمد بن علي القلقشندي
367
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
صاحبه فقال : هما في دائرة واحدة ، والدائرة لا يعلم لها أوّل ولا آخر ، ولا أعلى ولا أسفل . المذهب الثاني ( وهو مذهب الفقهاء ) - أن اليوم عبارة عن النهار دون الليل ، حتّى لو قال لزوجته : أنت طالق يوم يقدم فلان فقدم ليلا لم يقع الطلاق على الصحيح . ثم القائلون بذلك نظروا إلى الليل والنهار باعتبارين : طبيعيّ ، وشرعيّ . أما الطبيعيّ فالليل من لدن غروب الشمس واستتارها بحدبة الأرض إلى طلوعها وظهورها من الأفق ، والنهار من طلوع نصف قرص الشمس من المشرق إلى غيبوبة نصفها في الأفق في المغرب ، وسائر الأمم يستعملونه كذلك . وأما الشرعيّ - فالليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني ، وهو المراد بالخيط الأبيض من قوله تعالى : * ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) * ( 1 ) والنهار من الفجر الثاني إلى غروب الشمس ، وبذلك تتعلق الأحكام الشرعية من الصوم والصلاة وغيرهما . واعلم أن الشمس في الليل تكون غائبة تحت الأرض ، فإذا قربت منا في حال غيبتها أحسسنا بضيائها المحيط ( 2 ) بظل الأرض الذي هو الليل ، وهذا الضياء طليعة أمامها يطلع في السّحر بياض مستطيل مستدقّ الأعلى ، وهو الفجر الكاذب إذ لا حكم له في الشريعة ، ويشبّه بذنب السّرحان لانتصابه واستطالته ودقّته ، ويبقى مدة ثم يزداد هذا الضوء إلى أن يأخذ طولا وعرضا وينبسط في عرض الأفق ، وهو الفجر الثاني ويسمّى الصادق ، وعليه تترتب جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بالفجر ، وبعده يحمرّ الأفق لاقتراب الشمس وسطوع ضيائها على المدوّرات الغربية من الأرض ، ويتبعه الطلوع ، وعند غروبها ينعكس الحكم في
--> ( 1 ) البقرة / 187 . ( 2 ) لعله : المحجوب بظل الأرض كما يفيده المقام .