أحمد بن علي القلقشندي
364
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والهمم المستقيمة ، والشؤون السنيّة ، ومن لا يجوز أن يشغل زمانه بما همّته مصروفة إلى مطالعة غيره . وأما الإطناب فإنه يصلح للمكاتبات الصادرة في الفتوحات ونحوها مما يقرأ في المحافل ، والعهود السلطانية ، ومخاطبة من لا يصل المعنى إلى فهمه بأدنى إشارة . وعلى ذلك يحمل ما كتبه المهلَّب بن أبي صفرة إلى الحجّاج في فتح الأزارقة من الخوارج والظهور عليهم على ارتفاع خطر هذا الفتح وطول زمانه وبعد صيته ، فإنه كتب فيه : « الحمد للَّه الذي كفى بالإسلام قصد ما سواه ، وجعل الحمد متصلا بنعماه ، وقضى ألَّا ينقطع المزيد وحيله ، حتّى ينقطع الشكر من خلفه ؛ ثم إنا كنا وعدوّنا على حالتين مختلفتين نرى منهم ما يسرّنا أكثر مما يسرّهم ، ويرون منا ما يسوءهم أكثر مما يسرّهم ، فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم ، ينصرنا اللَّه ويخذلهم ، ويمحّصنا ويمحقهم ، حتّى بلغ الكتاب بناديهم أجله * ( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ ) * ( 1 ) . فإن الذي حمله على الاختصار في هذا الكتاب إنما هو كونه إلى السلطان الذي من شأنه اختصار المكاتبات التي تكتب إليه ، بخلاف ما لو كتب به عن السلطان إلى غيره ، فإنه يتعين فيه بسط القول وإطالته على ما سيأتي ذكره في أوّل المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء اللَّه تعالى . وأما مساواة اللفظ للمعنى فإنه يصلح لمخاطبة الأكفاء والنّظراء والطَّبقة الوسطى من الرؤساء . فكما أن هذه المرتبة متوسّطة بين طرفي الإيجاز والإطناب ، كذلك يجب أن تخصّ بها الطبقة الوسطى من الناس . قال : أما لو استعمل كاتب ترديد الألفاظ ومرادفتها على المعنى في المكاتبة إلى ملك مصروف الهمة إلى أمور كثيرة متى انصرف منها إلى غيرها دخلها الخلل ، لرتّب كلامه في غير رتبه ، ودلّ على جهله بالصناعة . وكذا لو بنى على الإيجاز كتابا يكتبه في فتح جليل الخطر ، حسن الأثر ، يقرأ في المحافل والمساجد الجامعة على رؤوس الأشهاد من العامّة
--> ( 1 ) الأنعام / 45 .