أحمد بن علي القلقشندي

357

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الكلام إذا كان لفظا حلوا عذبا وسطا دخل في جملة الجيد ، وجرى مع الرائع النادر . وأحسن الكلام ما تلاءم نسجه ولم يسخف ، وحسن نظمه ولم يهجن ، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام فيكون خلقا بغيضا ، ولا السّوقيّ من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا ، ولا خير في المعاني إذا استكرهت قهرا ، والألفاظ إذا أجبرت قسرا ؛ ولا خير فيما أجيد لفظه إلا مع وضوح المغزى وظهور المقصد . قال : وقد غلب على قوم الجهل فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ ، ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزّة غليظة ، وجاسية غريبة ، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا ، وسهلا حلوا ؛ ولم يعلموا أن السهل أمنع جانبا ، وأعزّ مطلبا ، وهو أحسن موقعا ، وأعذب مستمعا ؛ ولهذا قيل أجود الكلام السهل الممتنع . وقد وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال : هو أبلغ الناس ، ومن بلاغته أنّ كلّ أحد يظنّ أنه يكتب مثل كتبه ، فإذا رامها تعذّرت عليه ؛ وأنشد إبراهيم بن العبّاس لخاله العبّاس بن الأحنف : إن قال لم يفعل وإن سيل لم يبذل وإن عوتب لم يعتب ( 1 ) صبّ بعصياني ولو قال لي لا تشرب البارد لم أشرب ثم قال ( 2 ) : هذا واللَّه الشعر الحسن المعنى ، السهل اللفظ ، العذب المستمع ، القليل النظير ، العزيز الشبيه ، المطمع الممتنع ، البعيد مع قربه ، الصّعب مع سهولته ، قال فجعلنا نقول : هذا الكلام واللَّه أحسن من شعره . وقيل لبعضهم ( 3 ) : ألا تستعمل الغريب في شعرك ؟ فقال : ذلك عيّ في زماني ، وتكلَّف منّي لو قلته ، وقد رزقت طبعا واتساعا في الكلام ، فأنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير ، ولا يحتاج إلى تفسير .

--> ( 1 ) في الديوان : إن سيل لم يبذل وإن قال لم يفعل وإن عوتب لم يعتب . ( 2 ) أي ثم قال « أبو أحمد » وهو شيخ العسكري . ( كتاب الصناعتين : 67 ) . ( 3 ) وهو السيد الحميري ( المرجع السابق ) .