أحمد بن علي القلقشندي
358
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وقال أبو داود : رأس الخطابة الطبع ، وعمودها الدربة ، وجناحاها رواية الكلام ، وحليها الإعراب ، وبهاؤها تخيّر الألفاظ ، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه ، وما كان من الكلام لفظه سهلا ومعناه مكشوفا بيّنا فهو من جملة الرديء المردود ، لا سيما إذا ارتكبت فيه الضرورات ؛ فأما الجزل المختار من الكلام ، فهو الذي تعرفه العامة إذا سمعته ، ولا تستعمله في محاوراتها ؛ وأجود الكلام ما كان سهلا جزلا ، لا ينغلق معناه ، ولا يستبهم مغزاه ، ولا يكون مكدودا مستكرها ، ومتوعّرا متقعّرا ؛ ويكون بريئا من الغثاثة ، عاريا من الرّثاثة . فمن الجزل الجيّد من النثر قول سعيد بن حميد : وأنا من لا يحاجّك عن نفسه ، ولا يغالطك عن جرمه ، ولا يلتمس رضاك إلا من جهته ، ولا يستدعي برّك إلا من طريقته ، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذنب ، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم ؛ نبت بي عنك غرّة ( 1 ) الحداثة وردّتني إليك الحنكة ، وباعدتني منك الثقة بالأيّام ، وقادتني إليك الضرورة ، فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر ، وتجدّد النعمة باطَّراح الحقد ، فإنّ قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة ؛ وإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة ، والمتعة بها وإن كثرت قليلة ، فعلت إن شاء اللَّه تعالى . وأجزل منه قول الشعبيّ للحجاج وقد أراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث : أجدب بنا الجناب ( 2 ) ، وأحزن بنا المنزل فاستحلسنا ( 3 ) الحذر ، واكتحلنا السّهر ، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ، ولا فجرة أقوياء . فعفا عنه . ومن النظم قول المرّار : لا تسألي القوم عن مالي وكثرته قد يقتر المرء يوما وهو محمود
--> ( 1 ) الغارّ : الغافل ، واغتر : غفل ، والاسم الغرّة . ( 2 ) الجناب : الفناء والناحية . ( 3 ) استحلسنا الحذر : يريد ، تمسّكنا به .