أحمد بن علي القلقشندي
349
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الرّيّ ، وتنال أربك من المنفعة ، فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها ، فقلّ عنك غناؤها . وينبغي أن تخرج مع الكلام معارضه ، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته ، أو معنى بديع تعلقت بذيله . وتحرّز أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت في تطلَّبه ، ولعلك لا تلحقه على طول الطلب ، ومواصلة الدّأب ، وهذا الشاعر يقول : إذا ضيّعت أوّل كلّ شيء ( 1 ) أبت أعجازه إلَّا التواء وقد قالوا : ينبغي لصانع الكلام ألا يتقدّم الكلام تقدّما ، ولا يتتبع ذناباه تتبّعا ، ولا يحمله على لسانه حملا ، فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه ، وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه ، وتباعدت عنه جياده وغرره ، وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه ، ودخلت مساويه في محاسنه ، ولكنه يجري معه فلا تندّ عنه نادّة تعجبه سمنا إلا كبحها ، ولا تتخلف عنه مثقلة هزيلة إلا أرهقها ، وطورا يفرّقه ليختار أحسنه ، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر ، ويتناوله من تحت لسانه ، ولا يسلَّط الملل على قلبه ، ولا الإكثار على فكره ، فيأخذ عفوه ، ويستغزر درّه ، ولا يكره آبيا ، ولا يدفع آتيا . وإيّاك والتعقيد والتوعّر ، فإنّ التوعّر هو الذي يستهلك معانيك ، ويشين ألفاظك ، ومن أراغ ( 2 ) معنى كريما ، فليلتمس له لفظا كريما ، فإن حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف ، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما ، ويفسدهما ويهجّنهما ، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس البلاغة ، وترتهن نفسك في ملابستها ؛ وليكن لفظك شريفا عذبا ، فخما سهلا ، ومعناه ظاهرا مكشوفا ، وقريبا معروفا ؛ فإن وجدت اللفظة لم تقع موقعها ، ولم تصل إلى مركزها ، ولم تتصل بشكلها ، وكانت قلقة في موضعها ، نافرة عن مكانها ، فلا تكرهها على اغتصاب أماكنها ، والنزول في غير أوطانها ؛ وإن بليت بتكلف القول ، وتعاطي الصناعة ، ولم تسمح
--> ( 1 ) في الصناعتين : « أمر » . ( 2 ) أراغ : أراد وطلب ( الوسيط : 383 ) .