أحمد بن علي القلقشندي

350

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لك الطبيعة في أول وهلة ، وعصت عليك بعد إجالة الفكر ، فلا تعجل ودعه سحابة يومك ، ولا تضجر ، وأمهله سواد ليلتك ، وعاوده عند نشاطك ، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة ، أو جريت من الصناعة على عرف ؛ وينبغي أن تعرف أقدار المعاني فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين وأقدار الحالات ، فتجعل لكل طبقة كلاما ، ولكل حال مقاما ، حتّى تقسم أقدار المستعمين على أقدار الحالات ، فإن المنفعة مع موافقة الحال ، وما يجب لكل مقام من المقال ( 1 ) . قال في « موادّ البيان » ( 2 ) : ويكون استعمال كلّ من جزل الألفاظ وسهلها ، وفصيحها وسلسلها وبهجها في موضعه ، وأن يسلك في تأليف الكلام الطريق الذي يخرجه عن حكم الكلام المنثور العاطل الذي تستعمله العامّة في المخاطبات والمكاتبات إلى حكم المؤلَّف الحالي بحلي البلاغة والبديع ، كالاستعارات ، والتشبيهات ، والأسجاع ، والمقابلات ، وغيرها من أنواع البديع . قال في « الصناعتين » : وإن عملت رسالة أو خطبة فتخطَّ ألفاظ المتكلَّمين كالجسم ، والجوهر ، والعرض ، واللون ( 3 ) ، والتأليف ، واللاهوت ، والناسوت ، فإن ذلك هجنة . قال في « موادّ البيان » : وذلك بأن يقصد الكاتب إلى ألفاظ الصّناعة فيخرج منها إلى ألفاظ غريبة عن الصناعة غير مجانسة لها . قال : وإنما يؤتي الكاتب في هذا الباب من جهة أن يكون له شركة في صناعة غير الكتابة ، كصناعة الفقه والكلام وغيرهما ، مثل صناعة أصحاب الإعراب ونحوها ؛ فلكل طبقة من هذه الطبقات ألفاظ خاصة بها ، يستعملونها فيما بينهم عند المحاورة والخوض في الصناعة ؛

--> ( 1 ) أنظر كلام أبي هلال العسكري في الصناعتين : ص 139 وما بعدها ، مع اختلاف في الصياغة ، وتقديم وتأخير . ( 2 ) راجع الحاشية الأولى ، ص 105 من هذا الجزء . ( 3 ) عبارة العسكري في الصناعتين : « والكون » ، ولعلها أصح من « اللون » ، وذلك لورود « والتأليف » بعدها ، فهي متناسبة مع « الكون » .