أحمد بن علي القلقشندي
348
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المخوفات والمهولات والطوارق ، وأن يكون مع ذلك مكانا رائقا معجبا ، رقيق الحواشي ، فسيح الأرجاء ، بسيط الرّحاب ، غير غمّ ولا كدر ، فإن انضمّ إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر : من ماء وخضرة وأشجار وأزهار وطيب رائحة ، كان أبسط للفكر وأنجح للخاطر . وقد ذهب بعضهم إلى أنه ينبغي خلوّ المكان من النقوش الغريبة ، والمرائي المعجبة ، فإنها وإن كانت مما ينشّط الخاطر فإن فيها شغلا فيتبعه القلب فيتشتّت . المقصد الثاني من الطرف الثالث في بيان طرق البلاغة ووجوه تحسين الكلام ، وكيفية إنشائه وتأليفه ، وتهذيبه ، وتأديته ، وبيان ما يستحسن من الكلام المصنوع ، وما يعاب به أما إنشاؤه وتأليفه فقد قال ابن أبي الأصبع في « تحرير التحبير » : يجب على كل من كان له ميل إلى عمل الشعر وإنشاء النثر أن يتعهد أوّلا نفسه ويمتحنها بالنظر في المعاني ، وتدقيق الفكر في استنباط المخترعات ؛ فإذا وجد لها فطرة سليمة ، وجبلَّة موزونة ، وذكاء وقّادا ، وخاطرا سمحا ، وفكرا ثاقبا ، وفهما سريعا ، وبصيرة مبصرة ، وألمعيّة مهذّبة ، وقوة حافظة ، وقدرة حاكية ، وهمة عالية ، ولهجة فصيحة ، وفطنة صحيحة ، أخذ حينئذ في العمل ، وإن كان بعض ذلك غير لازم لرب الإنشاء ، ولا يضطرّ إليه أكثر الشعراء ، ولكن إذا كملت هذه الصفات في الكاتب والشاعر ، كان موصوفا في هذه الصناعة بكمال الأوصاف النفيسة . قال أبو هلال العسكري في « الصناعتين » : إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك ، ونقّ له كرائم اللفظ فاجعلها على ذكر منك ليقرب عليك تناولها ، ولا يتعبك تطلَّبها ، واعمله ما دمت في شباب نشاطك ، فإذا غشيك الفتور ، وتخوّنك الملال ، فأمسك ، فإن الكثير مع الملال قليل ، والنفيس مع الضّجر خسيس ، والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء ، فتجد حاجتك من