أحمد بن علي القلقشندي
347
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المناسب لذلك : تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم ، صفر من الغموم ، واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السّحر ، فإن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة ، وقسطها من النوم ، وخفّ عنها ثقل الغذاء ، وصفا الدّماغ من أكثر الأبخرة والأدخنة ، وسكنت الغماغم ( 1 ) ، ورقّت النسائم ، وتغنّت الحمائم . وخالف ابن أبي الأصبع في اختيار وقت السحر ، وجنح إلى اختيار وسط الليل أخذا من قول أبي تمّام في قصيدته البائية : خذها ابنة الفكر المهذّب في الدّجى واللَّيل أسود رقعة الجلباب مفسرا للدّجى بوسط الليل ، محتجّا لذلك بأنه حينئذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة ، ونالت قسطها من النوم ، وخفّ عنها ثقل الغذاء ، فيكون الذّهن حينئذ صحيحا ، والصدر منشرحا ، والبدن نشيطا ، والقلب ساكنا ، بخلاف وقت السحر فإنه وإن كان فيه يرقّ النسيم وينهضم الغذاء ، إلا أنه يكون قد انتبه فيه أكثر الحيوانات ، الناطق وغيره ، ويرتفع معظم الأصوات ، ويجري الكثير من الحركات ، وينقشع بعض الظَّلماء بطلائع أوائل الضوء ، وربنا انهضم عن بعض الناس الغذاء فتحرّكت الشهوة لإخلاف ما انهضم منه وخرج من فضلاته ، فكان ذلك داعيا إلى شغل الخاطر ، وباعثا على انصراف الهمّ إلى تدبير الحدث الحاضر ، فيتقسم الفكر ، ويتذبذب القلب ، ويتفرّق جميع الهمّ ، بخلاف وسط الليل فإنه خال من جميع ذلك . الأمر الثاني صفاء المكان وذلك بأن يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات ، عاريا عن
--> ( 1 ) الغماغم : من الغمغمة وهي أصوات الثّورة عند الذعر ، والأبطال عند القتال ، والكلام الذي لا يبين . ( القاموس 4 / 159 ) .