أحمد بن علي القلقشندي
316
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
حاكيا له . ولمثل ذلك توضع الدساتر ، وتدوّن الدواوين ؛ على أنه ربما غيّر وبدّل ، وحرّف وصحّف ، وأزال اللفظ عن وضعه ؛ وأحال المعنى عن حكمه ؛ وبعضهم ربما حملته الأنفة والخوف من أن يقال أخذ كلام فلان برمته ، فعدل إلى كلام غيره ، فالتقط من كل مكان سجعتين أو سجعات ، ورتب بعضها على بعض حتّى تقوم بمقصوده ، وينتهي إلى مراده . فإن كان لطيف الذوق ، حسن الاختيار ، رائق الترتيب ، فاختار من خلال السجع لطيفه ، وأحسن رصفه وتأليفه ، جاء بهجا رائقا ، لأنه أتى من كل كلام بأحسنه ، إلا أن فيه إخراج الكلام عن وضعه الذي قصده الناثر ، وتفريق ما دوّن من كلام الأفاضل وتبديد شمله ، وخروج الكلام عن أن يعرف قائله ، ويعلم منشئه ، فيقع من القلوب بمكان صاحبه ويهتدي بهديه ، وينسج على منواله . وإن لم يكن لطيف الذوق ، ولا حسن الاختيار ، جاء مالفقّه من كلام غيره رثّا ركيكا ، نابيا عن الذوق ، بعيدا عن الصنعة ، يعاد من النسخ إلى المسخ ، وأخرج الكلام عن موضوعه ، وأفسده في وضعه وتركيبه ، فإن صحبه التصحيف والتحريف فتلك الطامّة الكبرى ، والمصيبة العظمى ؛ ثم لا يكتفي بذلك حتى يتبجح به ويعتقد أن ذلك عين الإنشاء وحقيقته ، محتجّا في ذلك بقول الحريري : « إن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق ، وصناعة الإنشاء مبنية على التلفيق » ظانّا أن التفليق هو ضم سجعات منتظمة ، وفقرات مؤلَّفة بعضها إلى بعض ، ولم يعلم أن المراد بالتلفيق ضم لفظة إلى أختها ، وإضافة كلمة إلى مشاكلتها وشتّان ما بين التلفيقين ، وبعدا لما بين الطريقين : وللزّنبور والبازي جميعا لدى الطَّيران أجنحة وخفق ولكن بين ما يصطاد باز وما يصطاده الزّنبور فرق وقد عابوا أخذ المعنى إذا كان ظاهرا مكشوفا ، فما ظنّك بمن يأخذ الكلام برمته ، واللفظ بصورته ، فيصير ناسخا لكلام غيره ، وناقلا له ! فأيّ فضيلة في ذلك ؟