أحمد بن علي القلقشندي
317
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وقد قيل : من أخذ معنى بلفظه كان سارقا ( 1 ) ، ومن أخذ بعض لفظه كان سالخا ، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده كان أولى به ممن تقدّمه ، وأين من هو أولى بالشيء ممن سبقه إليه ممن يعدّ سارقا وسالخا ؟ ويقال إن أبا عذرة ( 2 ) الكلام من سبك لفظه على معناه ، ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب . هذا فيمن أخذ سجعة أو سجعتين في خطبة أو رسالة ، أو بيتا أو بيتين في قصيدة وما قارب ذلك ؛ أما من أخذ القصيدة بكمالها ، أو الخطبة أو الرسالة برمّتها ، أو لفّقها من خطب أو رسائل فذاك إنما يعدّ ناسخا إن أحسن النقل ، أو ماسخا إن أفسده . واعلم أن الناثر الماهر ، والشاعر المفلق قد يأتي بكلام سبقه إليه غيره ، فيأتي بالبيت من الشعر ، أو القرينة من النثر ، أو أكثر من ذلك بلفظ الأوّل من غير زيادة ولا نقصان ، أو بتغيير لفظ يسير ، وهذا هو الذي يسميه أهل هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر . وقد سئل أبو عمرو بن العلاء ( 3 ) عن الشاعرين يتفقان على لفظ واحد ومعنى فقال : عقول رجال توافت على ألسنتها . والواقع من ذلك في كلامهم على قسمين : القسم الأوّل ما وقع الاتفاق فيه في المعنى واللفظ جميعا . كقول الفرزدق : وغرّ قد وسقت مشمّرات طوالع لا تطيق لها جوابا
--> ( 1 ) قال القزويني في الإيضاح : 411 « الحكم أن اتفاق القائلين إن كان في الغرض على العموم كالوصف بالشجاعة والسخاء والبلادة والذكاء فلا يعدّ سرقة ولا استعانة ولا نحوهما ؛ فإن هذه أمور متقررة في النفوس ، متصورة للعقول يشترك فيها الفصيح والأعجم والشاعر والمفحم » . ( 2 ) العذرة : البكارة ؛ يقال : فلان أبو عذر وأبو عذرة فلانة إذا كان افترعها وافتضها . ( اللسان : 4 / 552 ) . ( 3 ) هو زبّان بن عمار التميمي البصري : من أئمة اللغة والأدب وأحد القراء السبعة . مات بالكوفة سنة 154 ه . ( الأعلام : 3 / 41 ) .