أحمد بن علي القلقشندي

314

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها على ما هو مقرّر في علم البيان . قال في « المثل السائر » : فلا يكون مثل قول الصابي ( 1 ) في وصف مدبّر : « يسافر رأيه وهو دان لم ينزح ، ويسير تدبيره وهو ثاو لم يبرح » ولو قال : يسافر رأيه وهو دان لم ينزح ، ويثخن الجراح في عدوّه وسيفه في الغمد لم يجرح ، لسلم من هجنة التكرار ، فإنه تصير كل سجعة محتوية على معنى بحياله . ومنها أن يقع التحسين في نفس الفواصل ، كقولهم : إذا قلَّت الأنصار ، كلَّت الأبصار ؛ وقولهم : ما وراء الخلق الدّميم ، إلَّا الخلق الذميم ، ونحو ذلك . ومنها أن يقع في خلال السجعة الطويلة قرائن قصار فتكون سجعا في سجع ، كقوله تعالى : * ( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الأَلِيمَ ) * ( 2 ) . وقوله : * ( ولَسْتُمْ بِآخِذِيه إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيه واعْلَمُوا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) * ( 3 ) فإن قوله : * ( عَلى أَمْوالِهِمْ ) * . وقوله : * ( عَلى قُلُوبِهِمْ ) * سجعتان داخلتان في السجعة التي آخرها * ( حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الأَلِيمَ ) * . وقوله : * ( بِآخِذِيه ) * وقوله : * ( تُغْمِضُوا فِيه ) * سجعتان داخلتان في السجعة التي آخرها * ( غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) * وعدّ العسكريّ منه قولهم ( 4 ) : عاد تعريضك تصريحا ، وتمريضك تصحيحا . وأما قبحه فيعتبر بأمور : منها التجميع ، وهو أن تكون فاصلة الجزء الأوّل بعيدة المشاكلة لفاصلة الجزء الثاني كما حكى قدامة ( 5 ) أن كاتبا كتب في جواب كتاب : وصل كتابك

--> ( 1 ) هو إبراهيم بن هلال ، أبو إسحاق الصابي : نابغة كتاب جيله . عرض عليه عز الدولة البويهي الوزارة إن أسلم فامتنع . توفي سنة 384 ه . ( الأعلام : 1 / 78 ) . ( 2 ) يونس / 88 . ( 3 ) البقرة / 267 . ( 4 ) نسب العسكري هذا القول للبصير . ( 5 ) سبق التعريف به في حاشية الصفحة : 14 من هذا الجزء .