أحمد بن علي القلقشندي

304

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

السجع في الكلام وإن تمسك به بعض من نبا عن السجع طبعه ، ونفرت منه قريحته ، إذ يحتمل أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إنما كره السجع من ذلك الرجل لمشابهة سجعه حينئذ سجع الكهّان ، لما في سجعهم من التكلَّف والتعسّف كما وجهه أبو هلال العسكريّ ، وإما لجريانه على عادتهم في الجواب في الأحكام وغيرها بالكلام المسجوع كما وجهه غيره ، أو أنه إنما كره حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع بإنكار إيجاب الدية ، لانفس السجع المأتي به كما اختاره صاحب « المثل السائر » ؛ ولو كره صلَّى اللَّه عليه وسلَّم السجع نفسه ، لا قتصر على قوله : أسجعا ، ولم يقيده بسجع الكهّان . الغرض الثالث في بيان أقسام السجع ، وهي راجعة إلى صنفين الصنف الأوّل أن تكون القرينتان متفقتين في حرف الرّويّ ، ويسميه الرّمّانيّ السجع الحاني وعليه عمل أكثر الكتّاب من زمن القاضي الفاضل ، وهلمّ جرّا إلى زماننا ؛ وفيه ثلاث مراتب المرتبة الأوّلى - أن تكون ألفاظ القرينتين مستوية الأوزان متعادلة الأجزاء ويسمّى التصريع ( 1 ) ، وهو أحسن أنواع السجع وأعلاها . ومنه في النثر قوله تعالى : * ( إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ) * ( 2 ) وقوله : * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) * ( 3 ) . وقول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في دعائه : « اللَّهمّ اقبل توبتي ، واغسل حوبتي » . وقوله للأنصار : « إنكم لتكثرون عند الفزع ، وتقلَّون عند الطَّمع » وقول بعض الأعراب في وصف سنة جدبة : سنة جردت ، وحال جهدت ، وأيد جمدت ، ونحو ذلك . ومثاله في النظم قول الخنساء ( 4 ) :

--> ( 1 ) الصواب : الترصيع ( راجع التعريفات للجرجاني : 56 والإيضاح للقزويني : 403 ) . ( 2 ) الغاشية / 26 . ( 3 ) الانفطار / 13 - 14 . ( 4 ) هي تماضر بنت عمرو بن الشريد : اشهر شاعرات العرب أدركت الإسلام فأسلمت .