أحمد بن علي القلقشندي
275
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
قال : فانظر إلى هذا : وجنة ، وحبيب ، ودينار ، وإلى ذلك : سرم ، وبغل ، وروث . وشتّان ما بينهما . الصفة الثالثة من صفات اللفظ المفرد الفصيح ألَّا يكون متنافر الحروف ، فإن كانت حروفه متنافرة بحيث يثقل على اللسان ويعسر النطق به فليس بفصيح وذلك نحو لفظ الهعخع في قول بعض العرب عن ناقة : تركتها ترعى الهعخع بالخاء المعجمة والعين المهملة ، وهو نبت أسود ، وكذلك لفظ مستشزرات من قول امريء القس في قصيدته اللامية التي من جملة القصائد السبع الطَّوال : غدائره مستشزرات إلى العلا تضلّ المداري في مثنّى ومرسل فلفظ مستشزرات من المتنافر الذي يثقل على اللسان ، ويعسر النطق به . قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه اللَّه في « المثل السائر » : ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امريء القيس هذا اللفظ فأكبر ذلك لوقوفه مع شبهة التقليد في أن امرأ القيس أشعر الشعراء ، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة ، وقلت له : لا يمنع إحسان امريء القيس من استقباح ماله من القبيح ، بل مثال ذلك كمثال غزال المسك فإنه يخرج منه المسك والبعر ، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره ، ولا تكون لذاذة ذلك الطَّيب حامية للخبيث من الاستكراه ، فأسكت الرجل عند ذلك . إذا علمت ذلك ، فإن معظم اللغة العربية دائرة على ذلك ، لأن الواضع قسّمها في وضعه إلى ثلاثة أقسام : ثلاثيّا ، ورباعيّا ، وخماسيّا ، فالثلاثيّ من الألفاظ هو الأكثر ، ولا يوجد فيه ما يكره استعماله إلا النادر ؛ والخماسيّ هو الأقلّ ، ولا يوجد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر ، والرباعيّ وسط بين الثّلاثيّ والخماسيّ في الكثرة عددا واستعمالا ، فيكون أكثر اللغة مستعملا غير مكروه . قال : ولا تقتضي حكمة هذه اللغة التي هي سيّدة اللغات إلا ذلك ؛ ولذلك أسقط الواضع منها