أحمد بن علي القلقشندي

276

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

حروفا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقالا واستكراها ، فلم يؤلَّف بين حروف الحلق كالحاء والعين ، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف ، ولا بين اللام والراء ، ولا بين الزاي والسين ، وذلك دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج دون المتقارب ؛ وكيف كان الواضع يخلّ بمثل هذا الأصل الكلَّي في تحسين اللغة وقد اعتنى بأمور جزئية دون ذلك ! كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود وبين حركات المصدر في النطق كالغليان ، والضّربان ، والنّقزان ، والنّزوان ، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى ، فإن جميع حروفه متحركات ليس فيها حرف ساكن ، وهي مماثلة لحركات الفعل في والوجود . ومن نظر في حكمة وضع هذه اللغة إلى هذه الدقائق التي هي كالأطراف والحواشي فكيف كان يخلّ بالأصل المعوّل عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض ! . على أنه لو أراد الناظم أو الناثر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ ، أهي متباعدة أو متقاربة ، لطال الخطب في ذلك وعسر ، ولما كان الشاعر ينظم قصيدا ، ولا الكاتب ينشئ كتابا إلا في مدّة طويلة ، والأمر بخلاف ذلك ، فإن حاسّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام في تحسين لفظ وتقبيح آخر ؛ على أنه قد يجيء من المتقارب المخارج ما هو حسن رائق ، ألا ترى أن الحروف الشّجريّة ، وهي الجيم والشين والياء ، متقاربة المخارج لأنها تخرج من وسط اللسان بينه وبين الحنك ، وإذا ترتب منها لفظ جاء حسنا رائقا ، فإن لفظة جيش قد اجتمع فيها الحروف الشّجريّة الثلاثة ، وهي مع تقارب مخارجها حسنة رائقة ؛ وكذلك الحروف الشّفهية وهي الباء والميم والفاء متقاربة المخارج ، فإن مخرج جميعها من الشّفة ؛ وإذا ترتب منها لفظ جاء سلسا غير متنافر ، كقولك أكلت بفمي ، وهو في غاية الحسن ، والحروف الثلاثة الشفهية مع تقارب مخارجها مجتمعة فيها ؛ وقد يجيء من المتباعد المخارج ما هو قبيح متنافر ، كقولك : ملع بمعنى عدا ، فإن الميم من الشفة ، والعين من حروف الحلق ، واللام من وسط اللسان ؛ فهذه الحروف كلها متباعدة من بعضها ومع ذلك فإنها كريهة الاستعمال ، ينبو عنها الذوق السليم ، ولو كان التباعد سببا للحسن لما كان سببا للقبح ؛ على أنه لو عكست