أحمد بن علي القلقشندي
258
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الطريق يغتاله معتزما ، والتحف الليل لا يهابه مظلما ، فو اللَّه ما شبّهته إلا بظبية نافرة تحفزها ( 1 ) فتخاء شاغية ( 2 ) ؛ فقال الرجل : فادع اللَّه وسله أن يحشر معك هذا البغل يوم القيامة ، قال : ولم ؟ قال : ليجيزك الصّراط بطفرة ( 3 ) . وكانت امرأة تأكل الطَّين فحصل لها بسببه إسهال مرضت منه ، وكان لها ولد يتكلم بالغريب ، فكتب رقاعا وطرحها في المسجد الجامع بمدينة السّلام فيها : صين امرؤ ورعي ، دعا لامرأة إنقحلة مقسئنّة ( 4 ) قد منيت بأكل الطَّرموق ( 5 ) فأصابها من أجله الاستمصال ( 6 ) أن يمنّ اللَّه عليها بالاطرغشاش ( 7 ) . فكل من قرأ رقعته ، دعا عليه ولعنه ولعن أمّه . وحكى محمد بن أبي المغازي ( 8 ) الضبي عن أبيه قال : كان لنا جار بالكوفة لا يتكلم إلا بالغريب ، فخرج إلى ضيعة له على حجر معها مهر فأفلتت ، فذهبت ومعها مهرها فخرج يسأل عنها ، فمرّ بخيّاط فقال : يا ذا النّصاح ( 9 ) وذات السّمّ ( 10 ) ، الطاعن بها في غير وغَّى لغير عدى ، هل رأيت الخيفانة القبّاء ( 11 ) يتبعها الحاسن المسرهف ( 12 ) ؟ كأنّ غرّته القمر الأزهر ، ينير في حضره كالخلَّب الأجرد ؟ فقال
--> ( 1 ) تدفعها من الخلف . ( 2 ) الفتخاء العقاب اللينة الجناح . والشاغية وصف لنوع منها . ( 3 ) وثبة في ارتفاع . ( 4 ) قحل الشيخ : يبس جلده على عظمه ، فهو قحل وإنقحل . واقسأنّ الرجل : كبر وأسنّ . ( 5 ) الطرموق ، في أكثر الأصول هو الطين . وفي القاموس : الخفاش . ( 6 ) الإسهال . ( 7 ) الإبلال والبرء والشفاء . ( 8 ) في الصناعتين : 33 : « ابن أبي المغازل » . ( 9 ) النصاح : الخيط يخاط به ، وبه سمّي الرجل الخياط : نصاحا ، بتخفيف الصاد وتشديدها . ( 10 ) الإبرة ذات الثقب . ( 11 ) الخيفانة : الناقة السريعة . والقبّاء : الدقيقة الخصر الضامرة البطن . ( 12 ) المسرهف : من سرهفت الصبيّ أي أحسنت غذاءه ونعمته .