أحمد بن علي القلقشندي

235

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولم يعلموا أن السهل أمنع جانبا ، وأعزّ مطلبا ، وهو أحسن موقعا ، وأعذب مستمعا ؛ ولهذا قيل : « أجود الكلام السّهل الممتنع » وكان المفضّل يختار من الشعر ما يقلّ تداول الرواة له ، ويكثر الغريب فيه . قال العسكري : وهذا خطأ في الاختيار ، لأن الغريب لم يكثر في كلام إلا أفسده ، وفيه دلالة على الاستكراه والتكلف . ووصف الفضل بن سهل ( 1 ) عمرو بن مسعدة ( 2 ) فقال : هو أبلغ الناس ، ومن بلاغته أن كل أحد يظن أنه يكتب مثل كتبه ، فإذا رامها ، تعذرت عليه . وقال ( 3 ) العباس بن ميمون : قلت للسيد ( 4 ) : ألا تستعمل الغريب في شعرك ؟ فقال : ذلك عيّ في زماني ، وتكلَّف مني لو قلته ، وقد رزقت طبعا واتساعا في الكلام ، فأنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير ، ولا يحتاج إلى تفسير ، ثم أنشدني : أيا ربّ إنّي لم أرد بالذي به مدحت عليّا غير وجهك فارحم قال في « الصناعتين » : فهذا كلام عاقل يضع الكلام موضعه ، ويستعمله في إبّانه . ومن كلام بعض الأوائل : تلخيص المعاني رفق ، والتشادق في غير أهل نقص ، والنظر في وجوه الناس عيّ ، ومس اللَّحية هلك ، والاستعانة بالغريب عجز ، والخروج عما بني عليه الكلام إسهاب ؛ فأجود الكلام ما كان جزلا سهلا ، لا ينغلق معناه ، ولا يستبهم مغزاه ، ولا يكون مكدودا مستكرها ، ومتوعرا متقعّرا ، ويكون بريئا من الغثاثة ، عاريا من الرّثاثة ؛ فالكلام إذا كان لفظه غثّا ، ومعرضه

--> ( 1 ) وزير المأمون العباسي وصاحب تدبيره : كان يلقب بذي الوزارتين . قتله جماعة سنة 202 ه . بينما كان في الحمام . ( اعلام : 5 / 149 ) . ( 2 ) وزير المأمون وأحد الكتاب البلغاء . توفي سنة 217 ه . ( اعلام : 5 / 86 ) . ( 3 ) رواية العسكري في الصناعتين : 67 : « وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن طائع ، وهو العباس بن ميمون ، عن غلمان بن ميثم قال : قيل للسيد الخ » . ( 4 ) هو السيد الحميري ، إسماعيل بن محمد : شاعر إمامي متقدم توفي سنة 173 ه . ( أعلام : 1 / 322 ) .