أحمد بن علي القلقشندي

234

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بالذّنب ، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم ، نبت بي عنك غرّة الحداثة ، وردّتني إليك الحنكة ، وباعدتني منك الثقة بالأيّام ، وقادتني إليك الضّرورة ، فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر ، وتجدّد النعمة باطَّراح الحقد ، فإنّ قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة ؛ وإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة ، والمتعة بها وإن كثرت قليلة ، فعلت إن شاء اللَّه تعالى . فانظر إلى قوة هذا الكلام في سهولته ، وقرب مأخذه مع بعد تناوله والإتيان بمشاكله . وأجزل منه مع السهولة قول الشّعبيّ ( 1 ) للحجّاج ، وأراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث ( 2 ) : أجدب بنا الجناب ، وأحزن بنا المنزل ، فاستحلسنا ( 3 ) الحذر ، واكتحلنا السهر ، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ، ولا فجرة أقوياء « فعفا عنه ( 4 ) . قال صاحب « الصناعتين » : وقد غلب الجهل على قوم فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ ، ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزّة ( 5 ) غليظة ، وجاسية ( 6 ) مريبة ، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا ، وسهلا حلوا ؛

--> ( 1 ) هو أبو عمرو ، عامر بن شراحيل الشعبي : كوفي تابعي جليل القدر وافر العلم . توفي سنة 109 ه . ( أسماء التابعين : 1 / 267 ) . ( 2 ) عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث : أمير من القادة الشجعان سيره الحجاج بجيش لغزو بلاد « رتبيل » ملك الترك فيما وراء سجستان ، فغزا بعض أطرافها وأخذ منها حصونا وغنائم ، وكتب إلى الحجاج يخبره بذلك وأنه ترك التوغل في بلاد « رتبيل » إلى أن يختبر مداخلها ومخارجها فاتهمه الحجاج بالضعف والعجز . فاتفق عبد الرحمن مع من معه على خلع الحجاج وإخراجه من أرض العراق وتوجه لقتال الحجاج فدارت بينهما معارك ظفر فيها عبد الرحمن أول الأمر ، ثم جرت بينهما موقعة دير الجماجم التي انتهت بخروج ابن الأشعث من الكوفة ، وتراجع إلى « رتبيل » الذي حماه مدة ثم قتله سنة 85 ه . وبعث برأسه إلى الحجاج . ( انظر خبر ابن الأشعث وخطبه في جنده في جمهرة خطب العرب : 2 / 340 وما بعدها ) . ( 3 ) أي لم يفارقنا الحذر . ( 4 ) انظر مقالة الحجاج للشعبي وردّ الشعبي عليه في « جمهرة خطب العرب : 2 / 344 » . ( 5 ) غير منبسطة ( لسان : 5 / 400 ) . ( 6 ) مترددة ( لسان : 6 / 43 ) .