أحمد بن علي القلقشندي

224

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الوجه الثاني الألفاظ المفردة ، وبيان ما ينبغي استعماله منها ، وما يجب تركه إعلم أن الذي ينبغي أن يستعمل في النظم والنثر من الألفاظ هو الرائق البهج الذي تقبله النفس ، ويميل إليه الطبع ، وهو الفصيح من الألفاظ دون غيره . والفصيح في أصل اللغة هو الظاهر البيّن ، يقال : أفصح الصبح إذا ظهر وبان ضوؤه ، وأفصح اللبن إذا تجلت عنه رغوته وطهر ، وأفصح الأعجميّ وفصح إذا أبان بعد أن لم يكن يبين ، وأفصح الرجل عما في نفسه إذا أظهره . قال في « المثل السائر » : وأهل البيان يقفون عند هذا التفسير ، ولا يكشفون عن السر فيه . قال : وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة ، لأنه يلزم أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بيّنا لم يكن فصيحا جيّدا ، ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا ؛ على أنه قد يكون اللفظ ظاهرا لزيد ولا يكون ظاهرا لعمرو ، فيكون فصيحا عند واحد دون آخر ، وليس كذلك ؛ بل الفصيح ما لم يختلف في فصاحته ، لأنه إذا تحقق حدّ الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ المختص بها خلاف ؛ وأيضا فإنه لو جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع ، وهو مع ذلك ظاهر بيّن ، فينبغي أن يكون فصيحا ، وليس كذلك ؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ لا وصف قبحه . قال : وتحقيق القول في ذلك أن يقال : الكلام الفصيح هو الظاهر البيّن ، والظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتب لغة ؛ وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر ، دائرة في كلامهم ؛ وإنما كانت مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها ، وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللَّغة باعتبار ألفاظها ، وسبروا وقسّموا فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه ، ونفوا القبيح منها فلم يستعملوه ؛ فحسن الألفاظ سبب استعمالها دون غيرها ، واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها ؛ فالفصيح إذا من الألفاظ هو الحسن . ثم قال : والمرجع في تحسين الألفاظ وقبحها إلى حاسة السمع ، فما يستلذه السمع منها