أحمد بن علي القلقشندي

225

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ويميل إليه هو الحسن ، وما يكرهه وينفر عنه هو القبيح ، بدليل أن السمع يستلذ صوت البلبل من الطير وصوت الشّحرور ويميل إليهما ، ويكره صوت الغراب وينفر عنه ، وكذلك يكره نهيق الحمار ولا يجد ذلك في صهيل الفرس ؛ والألفاظ جارية هذا المجرى ؛ فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة والدّيمة يستلذهما السمع ، ولفظة البعاق ( 1 ) قبيحة يكرهما السمع ، والألفاظ الثلاثة من صفة المطر ومعناها واحد ؛ وأنت ترى لفظتي المزنة والدّيمة وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال ، وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لا يستعمل ، وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير سليم ، لا جرم أنه ذم وقدح فيه ، ولم يلتفت إليه ، وإن كان عربيّا محضا من الجاهلية الأقدمين ؛ فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها ولم يعرّج على ما خرج عنها . إذا علمت ذلك فلا يوصف اللفظ المفرد بالحسن حتّى يتصف بأربع صفات : الصفة الأولى ألَّا يكون غريبا ؛ وهو ما ليس مأنوس الاستعمال ولا ظاهر المعنى . ويسمّى : الوحشيّ أيضا ، نسبة إلى الوحش لنفاره وعدم تأنّسه وتألَّفه ، وربما قلب فقيل : الحوشي ، نسبة إلى الحوش ( 2 ) ، وهو النّفار . قال الجوهريّ : وزعم قوم أن الحوش بلاد الجنّ وراء رمل يبرين ( 3 ) لا يسكنها أحد من الناس ، فالغريب والوحشيّ والحوشيّ كله بمعنى .

--> ( 1 ) البعاق : شدّة الصوت ( اللسان : 10 / 22 ) . ( 2 ) كذا في ضوء الصبح أيضا ، وفيه تساهل لأن النفار معنى « لا نحاش » لا « لحاش » ( انظر القاموس : 2 / 181 ) . ( 3 ) قال في معجم البلدان : 5 / 427 « يبرين : رمل لا تدرك أطرافه عن يمين مطلع الشمس من حجر اليمامة » وقال السكري : « يبرين بأعلى بلاد بني سعد » وفي « كتاب نصر » : يبرين من أصقاع البحرين وهناك الرمل الموصوف بالكثرة .