أحمد بن علي القلقشندي
223
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
تحسين اللفظ ، أنّ الخطب الرائعة ، والأشعار الرائقة ، ما عملت لإفهام المعاني فقط ، لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام ، وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته ، ورونق ألفاظه ، وجودة مقاطعه ، وبديع مباديه ، وغريب مبانيه ، على فضل قائله ، وفهم منشئه ؛ وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني ، وتوخّي صواب المعاني أحسن من توخّي هذه الأمور في الألفاظ ؛ فلهذا يتأنّق الكاتب في الرسالة ، والخطيب في الخطبة ، والشاعر في القصيدة ، ويبالغون في تجويدها ، ويغلون في ترتيبها ، ليدلَّوا على براعتهم ، وحذقهم بصناعتهم ؛ ولو كان الأمر في المعاني لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدّا كثيرا ، وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا ؛ وأيضا فإن الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا ، وسلسا سهلا ، ومعناه وسطا ، دخل في جملة الجيّد ، وجرى مع الرائع النادر كقول الشاعر : ولما قضينا من منى كلّ حاجة ومسّح بالأركان من هو ماسح وشدّت على حدب المهارى رحالنا ولم ( 1 ) ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطيّ الأباطح وليس تحت هذه الألفاظ كثير معنى ، وهي رائقة معجبة ، وإنما هي : ولما قضينا الحجّ ، ومسّحنا بالأركان ، وشدّت رحالنا على مهازيل الإبل ، ولم ينتظر بعضنا بعضا ، جعلنا نتحدّث وتسير بنا الإبل في بطون الأودية ؛ وإذا كان المعنى صوابا واللفظ باردا فاترا كان مستهجنا ملفوظا ، ومذموما مردودا ، كقول أبي العتاهية في أبي عثمان سعيد بن وهب ( 2 ) . مات واللَّه سعيد بن وهب رحم اللَّه سعيد بن وهب يا أبا عثمان أبكيت عيني يا أبا عثمان أوجعت قلبي
--> ( 1 ) في الشعر والشعراء : 14 « ولا » . ( 2 ) شاعر اشتهر بالخلاعة والمجون . تاب في كبره وتنسك وحجّ ماشيا . مات ببغداد سنة 208 ه . ( الأعلام : 3 / 104 ) .