أحمد بن علي القلقشندي

222

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تكرهه ، فتترك حقّها له حتّى لا يطول وقوفها معه للخصام ؛ وقول نصيب ( 1 ) : فإن تصلي أصلك وإن تعودي بهجر بعد ذاك فلا أبالي ( 2 ) والعاشق يلاطف قلب محبوبه ولا يحاجّه ، ويلاينه ولا يلاجّه ( 3 ) . الأصل الثاني من صناعة إنشاء الكلام النظر في الألفاظ ؛ والنظر فيها من وجهين الوجه الأوّل في فضل الألفاظ وشرفها قد تقدّم في الكلام على المعاني أن الألفاظ من المعاني بمنزلة الثياب من الأبدان ، فالوجه الصبيح يزداد حسنا بالحلل الفاخرة والملابس البهيّة ، والقبيح يزول عنه بعض القبح ، كما أن الحسن ينقص حسنه برثاثة ثيابه وعدم بهجة ملبوسه ، والقبيح يزداد قبحا إلى قبحه . فالألفاظ ظواهر المعاني ، تحسن بحسنها ، وتقبح بقبحها ؛ وقد قال أبو هلال العسكريّ في كتابه « الصناعتين » : ليس الشأن في إيراد المعاني ، لأن المعاني يعرفها العربيّ والعجميّ والقرويّ والبدويّ وإنما هو في جودة اللفظ ، وصفائه ، وحسنه وبهائه ، ونزاهته ونقائه ، وكثرة طلاوته ومائه ، مع صحة السّبك والتركيب ، والخلوّ من أود ( 4 ) النظم والتأليف . قال : وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا ، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتّى يكون على ما تقدّم من نعوته ؛ ثم قال : ومن الدليل على أن مدار البلاغة

--> ( 1 ) هو نصيب بن رباح : شاعر فحل مقدم في النسيب والمدح . كان عبدا أسود ، أنشد أبياتا بين يديّ عبد العزيز بن مروان فاشتراه وأعتقه . توفي سنة 108 ه . ( الأعلام : 8 / 31 والشعر والشعراء : 197 ) . ( 2 ) رواية الصناعتين : 121 : وإن تعودي لهجر بعد وصلك لا أبالي ( 3 ) عبارة العسكري : « وذلك أن التجلَّد من العاشق مذموم » ( كتاب الصناعتين : 121 ) . ( 4 ) أود : عوج . ( اللسان : 3 / 75 ) .