أحمد بن علي القلقشندي

164

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أكر متسقة ، ملتفة بعضها فوق بعض التفاف طبقات البصلة ، بحيث يماسّ محدّب كلّ كرة سفلى مقعر كرة أخرى عليا إذ لا خلاء بينهما عندهم . قالوا : وأقرب هذه الأكر إلى الأرض كرة القمر ، ثم كرة عطارد ، ثم كرة الزّهرة ، ثم كرة الشّمس ، ثم كرة المرّيخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، ثم كرة الكواكب الثابتة ، ثم كرة الفلك الأطلس ؛ وسمّي بالأطلس لأنه لا كواكب فيه ، ثم الفلك المحيط ، ويسمّى فلك الكل ، وفلك الأفلاك ، والفلك الأعلى ، والفلك الأعظم ، وحكى النومحسي ( 1 ) في « كتاب الآراء والديانات » أن بعض القدماء ذهب إلى أن كرة الشمس أعلى من سائر كرات الكواكب ، وبعدها كرة القمر ، وبعدها كرة الكواكب المتحيرة ( 2 ) ، ثم كرة الكواكب الثابتة . والمتفلسفون من الإسلاميين لما حكمت عليهم نصوص الكتاب والسنة بالاقتصار على ذكر سبع سماوات ، زعموا أن الفلك الثامن من الأفلاك التسعة هو الكرسيّ ، والفلك التاسع هو العرش . وذهب بعض القدماء من علماء الهيئة إلى أن فوق الكرة التاسعة كرة عاشرة هي المحرّكة لسائر الأكر . وذهب آخرون إلى أن وراء نهاية الأجرام السماوية خلاء لا نهاية له ، وذهب بعض الفلاسفة إلى أن وراءها عالم الصورة ، ثم عالم النفس ، ثم عالم السياسة ، ثم عالم العلَّة الأولى ، ويعنون به الباري تعالى عن الجهة . والصابئة ( 3 ) يسمون هذه العوالم أفلاكا . وأما ما بين كل كرتين ، فذهب أهل الهيئة ( 4 ) إلى أنها متراصّة لا خلاء بينها ،

--> ( 1 ) أهمله في الأصل ؛ ولم نعثر عليه بعد البحث . ( 2 ) قسم العرب الكواكب من حيث حركاتها إلى : ثابتة ومتحركة ومتحيرة . ( مقدمة ابن خلدون : 907 ) . ( 3 ) اللفظة آرامية الأصل تدل على التطهير والتعميد وتطلق على فرقتين : الأولى جماعة المندائيين أتباع يوحنا المعمدان والثانية صابئة حرّان الذين عاشوا زمنا في كنف الإسلام . ورد ذكرهم في القرآن بجانب اليهود والنصارى مما يؤذن أنهم من أهل الكتاب . ويعدون من الروحانيين الذين يقولون بوسائط بين اللَّه والعالم . انقرضوا في القرن الحادي عشر الميلادي بعد استيلاء الفاطميين على حرّان . ( الموسوعة العربية الميسرة : 1112 ) . ( 4 ) الهيئة علم ينظر في حركات الكواكب ويستدل بكيفيات تلك الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لزمت عنها هذه الحركات . ( مقدمة ابن خلدون : 905 ) .