أحمد بن علي القلقشندي

141

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أنه كان لسليمان عليه السلام كرسي بقوله : * ( وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّه جَسَداً ) * ( 1 ) ورأيت في بعض التواريخ أنه كان له كرسيّ من عاج مغشّى بالذهب . ثم هذه الأسرّة تختلف باختلاف حال الملوك ، فتارة تكون من أبنية رخام ونحوه ، وتارة تكون من خشب ، وتارة من فرش محشوّة متراكبة ، وقد حكي أنه كان لملوك الفرس سرير من ذهب يجلسون عليه ، وكان عمرو بن العاص رضي اللَّه عنه وهو أمير مصر يجلس مع قومه على الأرض غير مرتفع عليهم ( 2 ) ، ويأتيه المقوقس ومعه سرير من ذهب ، يحمل معه على الأيدي ، فيجلس عليه فلا يمنعه عمرو من ذلك ، إجراء له على عادته في الملك فيما قيل ، لما عقده له من الذمّة واتخذه معه من العهد . ومنها : المظلَّة ، واسمها بالفارسية : الجنز - بنون بين الجيم والزاي المعجمة - ويعبر عنها العامّة الآن بالقبّة والطَّبر ، وهي قبة من حرير أصفر ، تحمل على رأس الملك ، على رأس رمح بيد أمير يكون راكبا بحذاء الملك ، يظلَّه بها حالة الركوب من الشمس في المواكب العظام ، وسيأتي ذكرها في الكلام على ترتيب المملكة في الدولة الفاطمية . وهذه الدولة في المقالة الثانية إن شاء اللَّه تعالى . ومنها : الرّقبة ، وهي لباس لرقبة فرس السلطان من حرير أصفر ، قد طرّزت بالذهب الزّركش حتّى غلب عليها وصار الحرير غير مرئيّ فيها ، تشدّ على رقبة فرس الملك في المواكب العظام لتكون مضاهية لما يركب به من الكنبوش ( 3 ) الزركش المغطَّي لظهر الفرس وكفله .

--> ( 1 ) سورة : ص / 34 . ( 2 ) قال ابن خلدون : « إن الدول لا تأخذ بالسرير إلا بعد الاستفحال والترف ، شأن الأبهة كلها ؛ وأما في أول الدولة عند البداوة فلا يتشوّفون إليه وأول من اتخذه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان » . ( المقدمة : 461 ) . ( 3 ) انظر صفحة : 144 من هذا الجزء .