أحمد بن علي القلقشندي

529

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحشائش بدقّة حدسك ، وكلاهما قلَّدك في العلاج ، وسألك عن المزاج ، واستوصفك تركيب الأعضاء ، واستشارك في الدّاء والدواء ، وأنك نبحت لأبي معشر طريق الفضاء ، وأظهرت جابر بن حيّان على سر الكيمياء ، وأعطيت النظَّام أصلا أدرك به الحقائق ، وجعلت للكندي رسما استخرج به الدقائق ، وأن صناعة الألحان اختراعك ، وتأليف الأنقار توليدك وابتداعك ، وأن عبد الحميد بن يحيى باري أقلامك ، وسهل بن هارون مدوّن كلامك ، وعمرو بن بحر مستمليك ، ومالك بن أنس مستفتيك ، وأنت الذي أقام البراهين ، ووضع القوانين ، وحدّ الماهيّة ، وبيّن الكيفية والكمية ، وناظر في الجوهر والعرض ، وميز الصحة من المرض ، وحلّ المعمّى ، وفصل بين الاسم والمسمّى ، وضرب وقسّم ، وعدّل وقوّم ، وصنف الأسماء والافعال ، وبوّب الظَّرف والحال ، وبنى وأعرب ، ونفى وتعجب ، ووصل وقطع ، وثنّى وجمع ، وأظهر وأضمر ، وابتدأ وأخبر ، واستفهم وأهمل ، وقيد وأرسل ، وأسند وبحث ونظر ، وتصفّح الأديان ، ورجّح بين مذهبي ماني وغيلان ( 1 ) ، وأشار بذبح الجعد ( 2 ) ، وقتل بشّار بن برد ( 3 ) ، وأنك لو شئت خرقت العادات ، وخالفت المعهودات ، فأحلت البحار عذبة ، وأعدت السّلام رطبة ، ونقلت غدا فصار أمسا ، وزدت في العناصر فكانت خمسا ، وأنك المقول فيك « كلّ الصّيد في جوف الفرا » ( 4 ) ، والمقول فيك :

--> ( 1 ) ماني : مصلح إيراني ظهر في القرن الثالث الميلادي وأعلن النبوة عام 242 . تأثر مذهبه بالبوذية والغنوصية والزرادشتيه . وغيلان الدمشقي ، من أصل مسيحي . كان كاتبا بليغا ؛ ذهب في نفي القدر مذهب معبد الجهمي . قتله هشام بن عبد الملك . ( انظر الموسوعة العربية الميسّرة ص 1260 و 1636 ) . ( 2 ) هو الجعد بن درهم . زعم أن اللَّه لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى . طلبه هشام بن عبد الملك وقتله خالد القسري بالعراق يوم النحر . ( الأعلام 2 / 120 ) . ( 3 ) في الأعلام أنه اتهم بالزندقة فمات ضربا بالسياط . وفي طبقات الشعراء انه هجا المهدي فأمر به فقتل تغريقا في الماء . ( الأعلام 2 / 52 والمرزباني 392 ) . ( 4 ) مثل قديم . وأصله أن قوما خرجوا للصيد ، فصاد أحدهم ظبيا وآخر أرنبا وآخر فرا ، وهو الحمار الوحشي ؛ فقال لأصحابه : كل الصيد في جوف الفرا ، أي جميع ما صدتموه يسير في جنب ما صدته . وقد تمثل به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . ( الجمهرة 2 / 162 ) .