أحمد بن علي القلقشندي
319
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
النوع العاشر الاستكثار من حفظ الأشعار الرائقة ، خصوصا أشعار العرب وما توفرت دواعي العلماء بها على اختياره : كالحماسة ، والمفضّليّات ، والأصمعيات ، وديوان هذيل ، وما أشبه ذلك ؛ وفهم معانيها واستكشاف غوامضها ، والتوفر على مطالعة شروحها ؛ ويلتحق بذلك شعر المولَّدين من العرب ، وهم الذين كانوا في أول الإسلام . كجرير والفرزدق ، والأخطل وغيرهم ؛ وكذلك حفظ جانب جيد من شعر المفلقين من المحدثين : كأبي تمام ، ومسلم بن الوليد ، والبحتريّ ، وابن الرومي ، والمتنبي ونحوهم . وفيه مقصدان المقصد الأول في بيان احتياج الكاتب إلى ذلك أما شعر العرب والمولدين ، فلما في ذلك من غزارة الموادّ ، وصحة الاستشهاد ، وكثرة النقل ، وصقل مرآة العقل ، وانتزاع الأمثال ، والاحتذاء في اختراع المعاني على أصح مثال ، والاطلاع على أصول اللغة وشواهدها ، والاضطلاع من نوادر العربية وشواردها . وقد كان الصدر الأول يعتنون بذلك غاية الاعتناء : قال محمد بن سلام ( 1 ) عن بعض مشايخه « كان عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر » . وذكر صاحب « الريحان والريعان » عن سعيد بن المسيب ( 2 ) أنه قال : كان أبو بكر وعمر وعليّ يجيدون الشعر ، وعليّ أشعر الثلاثة . قال : وكان عمر بن الخطاب يقول أفضل صناعات الرجل الأبيات من الشعر يقدّمها بين يدي حاجته يستعطف بها الكريم ، ويستنزل
--> ( 1 ) من حفاظ الحديث . وله مصنفات في كل باب من علم الحديث . ( الأعلام 6 / 146 ) واللفظ باللام المخففة . ( 2 ) أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، جمع بين الحديث والفقه والزهد ، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب . ( الأعلام 3 / 102 ) .